استخدمت الولايات المتحدة الأميركية حق النقض (الفيتو) ضد مشروع القرار الذي تقدمت به الدول العربية في مجلس الأمن ويدين فيه إسرائيل بسبب ارتكابها مجزرة ضد المدنيين الفلسطينيين في بيت حانون بقطاع غزة. والسبب لاستخدام الفيتو كما ذكر السفير الأميركي لدى الأمم المتحدة جون بولتون هو أنه غير متوازن أو أنه منحاز للجانب الفلسطيني ولا يخدم الأمن والسلام في الشرق الأوسط.
إنها المحاولة السادسة والثلاثون خلال العشرين عاماً الماضية التي تواجه الفيتو الأميركي في مجلس الأمن الدولي الذي بدا وكأنه مجلس أمن أميركي - إسرائيلي، لا سيما عندما يتعلق الأمر بقرار دولي للتعاطي مع ملف الصراع العربي - الإسرائيلي وارتكاب سلطات الاحتلال الإسرئيلي لمجازر متكررة ضد الشعب الفلسطيني المحاصر منذ أن قرر انتخاب حكومة جديدة بعد إصرار أميركي ودولي على إجراء هذه الانتخابات!!.
وهذا الفيتو حقيقة يطرح العديد من التساؤلات المشروعة حول كيفية تعاطي المجتمع الدولي مع القضية الفلسطينية واستمرار الاحتلال العسكري الإسرائيلي للأراضي العربية في فلسطين وسوريا ولبنان.
فهل يبقى هذا المجتمع الدولي مكتوف الأيدي ومستسلماً للرغبات الأميركية والإسرائيلية ولا يحرك ساكناً بالرغم من عدالة هذه القضية من حيث الشكل والمبدأ وبالرغم من أهمية هذه القضية للسلم والأمن الدوليين؟
ولكن بالمقابل كيف ينظر العالمان العربي والإسلامي إلى استمرار معاناة الشعب الفلسطيني ومحاصرته وتدمير مصادر رزقه وتهويد مقدساته وقضم أراضيه وتهديد وجوده على ما بقي من أرض ممزقة ومبعثرة هنا وهناك وكأنها قطعة جبن سويسري؟
يبقى أن نسأل كيف يقيم الشعب الفلسطيني والنخب السياسية بكل أطيافها وألوانها التجربة التاريخية الطويلة من التعامل والتعاطي والتناحر والقتال مع المحتل الإسرائيلي من جهة والتعاطف الدولي شبه المطلق مع إسرائيل من جهة أخرى، إضافة إلى الفشل العربي والإسلامي طوال السنوات المنصرمة؟
لا شك أن الفيتو الأميركي الأخير لمنع إدانة إسرائيل التي ارتكبت مجزرة بيت حانون، كما هو الحال مع (الفيتوات) السابقة، يثير الدهشة والاستغراب والاشمئزاز من استمرار سياسة دولية غير عادلة ولا منطقية تقود إلى مزيد من العنف والقتل والمعاناة وتبقي على حالة اللاأمن واللااستقرار في منطقة أجمع المجتمع الدولي على أهميتها الحيوية والاستراتيجية لاقتصاديات العالم وأمنه واستقراره.
هذا يحدث بينما يطالب المجتمع الدولي وفي مقدمته الإدارة الأميركية وحلفاؤها الغربيون باستراتيجية كونية لمحاربة الإرهاب الدولي ونشر الديمقراطية وتشجيع الحكم الرشيد وتدعيم التنمية وتصحيح نظم التعليم في منطقة الشرق الأوسط .
فكيف تتحقق مثل هذه المطالب بينما تصر إدارة الرئيس بوش على ممارسة سياسة الترهيب والعزل والقوة والقرارات الدولية ضد دول عربية وشعوب عربية دون دول أخرى وشعوب أخرى في المنطقة، وتخلط الأوراق السياسية كما تشاء مع تحليها بقدرة هائلة ورغبة دائمة لتجاهل الأسباب الحقيقية والعملية لحل المشاكل المستعصية.
إن منطقة الشرق الأوسط في ظل استمرار هذه السياسة الدولية القائمة منذ ثماني سنوات بقيادة الإدارة الحالية وبغياب لدور أوروبي وإسلامي وعربي فاعل قادر على فرض التغيير باتجاه الاعتدال والمنطق وسياسة المصالح المشتركة ببعدها الاستراتيجي الحقيقي ستبقى رهينة لسياسات أميركية لا تتعدى كونها سياسات تكتيكية فاشلة تضر بالسياسات الاستراتيجية الدولية وليس فقط الأميركية.
وأوضح دليل على هذه السياسات التكتيكية الأميركية الفاشلة في المنطقة تجسد بالسياسة التي انتهجتها الإدارة الأميركية في العراق منذ أن قررت احتلاله عسكرياً، والإطاحة بنظامه السابق، وخلوه من أسلحة الدمار الشامل، وأن الشعب العراقي غير متجانس عرقياً وطائفياً وأن الجغرافيا السياسية العراقية تخضع لمعادلات إقليمية معقدة وحالة من اللااستقرار الإقليمي بسبب استمرار الصراع العربي - الإسرائيلي.
في نفس الوقت كان واضحاً أن التكتيك السياسي والعسكري الأميركيين تجاه العراق مرتبط بشكل مباشر بالسياسة الأميركية المعلنة ضد الإرهاب منذ عام 2001 والتي توجت باحتلال أفغانستان، وأن هذه الحرب سيكون لها انعكاسات سلبية إقليميا ودولياً كما تثبتها جميع الأحداث والتطورات في منطقة الشرق الأوسط.
لقد رفضت هذه الإدارة سياسة الانخراط الحقيقي والصادق لصنع السلام بين العرب والإسرائيليين على أساس الشرعية الدولية وقرارات مجلس الأمن ومبدأ الأرض مقابل السلام، وأعلنت الحرب على الإرهاب دونما معالجة أسبابه الجوهرية، واحتلت العراق الذي كان ضعيفاً ومنهكاً نتيجة لحرب الخليج الثانية عام 1991 والحصار الاقتصادي والمالي الخانق الذي فرض على الشعب العراقي لأكثر من عشر سنوات ولم يشكل تهديداً لأي من جيرانه وخاصة إسرائيل.
وبناء عليه فإن الإدارة الأميركية والدول الكبرى تتحمل بشكل رئيسي مسؤولية التدهور الخطير الحاصل في منطقة الشرق الأوسط بأكملها وليس فقط مسؤولية فشل عملية السلام، وتتحمل أيضاً مسؤولية إيجاد رؤية استراتيجية عملية ومتكاملة تقود بمنطقة الشرق الأوسط وشعوبها نحو عهد جديد من الأمن والبناء والتعايش المشترك .
لأنه لم يعد مقبولاً أن يستمر الاحتلال وخاصة في فلسطين وهو احتلال استيطاني اقتلاعي وألا يعاقب هذا الاحتلال على المجازر التي يرتكبها ضد المدنيين من النساء والأطفال والشيوخ.
إن القرار الأميركي الأخير باستخدام الفيتو ضد القرار الأممي منح بوضوح شرعية مطلقة للمحتل الإسرائيلي بارتكاب المجازر ضد الشعب الفلسطيني، كما منح سلطات الاحتلال حماية مستمرة وغطاء بلا حدود لاعتداءاتها العسكرية الهمجية.
كما أن استخدام الفيتو كان بمثابة وصمة عار للإدارة الأميركية وسياساتها شرق الأوسطية، وعليه فإن جميع الدول العربية والإسلامية والدول التي تؤمن بحقوق الإنسان وتعي بأهمية الأمن والاستقرار في منطقة الشرق الأوسط أن تدرك بأن هذه السياسة الأميركية الحالية ستبقى تمثل خطراً على السلام والأمن الإقليمي والدولي، وأنها مطالبة بممارسة كافة الضغوط لحمل الإدارة الأميركية على تغيير سياساتها قبل فوات الآوان.
كاتب وباحث سياسي
isam997@hotmail.com