رغم المميزات الكبرى للمرحلة الجديدة التي دشنها قرار صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة «حفظه الله» في عام 2005 في ما يتعلق بالمشاركة السياسية، لكن تظل أكبر مسألة تؤرقنا هي تقسيم المجتمع الإماراتي إلى طائفتين: طائفة يحق لها الانتخاب، وطائفة لا يحق لها، أليس لهذا انعكاسات سياسية بل اجتماعية على الانسجام الاجتماعي؟
وأخشى ما نخشاه أن يؤثر هذا التقسيم على الشعور بالولاء لدولتنا الاتحادية، خاصة وأن هذا التقسيم يتعارض مع دستور الاتحاد الذي ينص صراحة في العديد من مواده على المساواة المطلقة بين مواطني الأمة الاتحادية في الحقوق السياسية والإنسانية.
لكن ربما يخفف من وطأة هذا الخوف عدة أمور لعل أهمها: حسن نية مشرع القانون الانتخابي في الحرص على مراعاة طبيعة التركيبة الإماراتية وسماتها المختلفة لا سيما مراعاة أننا دولة اتحادية مركبة من سبع إمارات تقوم على النظام الفيدرالي.
أضف إلى هذا تجارب بعض الدول الأخرى التي انتقلت فجأة من نظام إلى نظام قد تعرضت إلى هزات كبرى أدت ببعضها إلى الانهيار، مثل الاتحاد السوفييتي سابقا.
ومن ثم حدث نوع من الخوف عند كثير من السياسيين من التطور الفجائي دفعة واحدة، ومن هنا تكوّن عندهم نوع من الحذر في عملية التطوير، أدى بهم إلى مراعاة التدرج، والانتقال البطيء من مرحلة إلى مرحلة أخرى.
لكن المشكلة الحقيقية هي أن هذا الحذر كان أكثر من اللازم في أحيان كثيرة وأعاق حركة التقدم إعاقة كبرى. ومن ثم فإن الدرس المستفاد هو ضرورة التدرج، لكن ليس إلى الحد الذي يعيق حركة التقدم إعاقة شديدة ! وكذلك ليس التدرج الذي يقوم على التفرقة بين المواطنين.
وحتى يمكن تحقيق هذه النوايا الطيبة لابد من التأكيد على ضرورة توسيع صلاحيات المجلس السياسية والاقتصادية وتفعيل دوره تفعيلاً كبيراً من أجل أن يشارك مشاركة حقيقية في تحقيق أهداف الاتحاد بشكل مواكب لتفعيل المشاركة السياسية الشعبية.
فالمجلس يمثل السلطة الرقابية والتشريعية الفعلية للبلاد «أو هكذا ينبغي أن يكون» لكنه في الماضي مجرد مجلس استشاري، ولا يملك طرح الثقة في الحكومة، ولا يملك تشريع القوانين بشكل منفرد.
ولذلا لا معنى للديمقراطية من دون تفعيل دور المجلس الوطني الاتحادي ومن دون مشاركة برلمانية أشمل ومن دون مساءلة جادة وموضوعية للمؤسسة التنفيذية ومختلف الجهات الحكومية.
ولا شك أن هذا سوف ينعكس على الوطن والمواطن وسوف يثري التجربة الاتحادية، ويدعم الروابط الوطنية، وينعكس على كافة الجوانب الحياتية، ولا سيما إذا جاء التمثيل الانتخابي بمجموعة وطنية مثقفة وواعية ونشيطة تعمل من أجل تطوير الأوضاع خلال المرحلة المستقبلية.
ولا شك أن انتخاب نصف أعضاء المجلس الوطني الاتحادي يعني بالضرورة تفعيل دور الشعب وزيادة المشاركة السياسية وتمكين المجلس الوطني من أداء دور أكثر فعالية وإيجابية في إدارة شؤون الوطن، من خلال مهمته التشريعية والرقابية للحكومة، ومن ثم يكون له ثقل وقدرة وفاعلية كسلطة تشريعية ورقابية أمام سلطة الحكومة كسلطة تنفيذية، وبذلك يكون أكثر قرباً من قضايا الوطن وهموم المواطنين.
ولن ينجح المجلس الوطني القادم دون زيادة معدل قيم المساءلة والشفافية وتكافؤ الفرص، وتفعيل مبادئ سيادة القانون ونهج أساليب الديمقراطية والشورى على نحو غير صوري من خلال برلمان وطني إيجابي وشجاع وفاعل ومعبر بصدق ودقة عن نبض الشارع، برلمان يعكس التمثيل الحقيقي لكافة طبقات وتيارات الأمة الاتحادية ويعبر عن اتجاه تشريعي مواكب للتحولات العالمية دون التخلي قيد أنملة عن مصالح الوطن والمواطن الإماراتي.
ولابد أن تقوم المشاركة الشعبية بدورها في التأثير على نواب البرلمان من صياغة عادلة ووطنية لمختلف القوانين والنظم واللوائح التي بات من الضروري مراجعتها لإصلاح النظام الإداري والقضاء على الفساد ومراكزه.
فلا سبيل إلى ذلك من دون إرساء قاعدة الديمقراطية في المجتمع والتي توسع مجال الشفافية والمساءلة والحساب والردع، وهذا ما نتوقع حدوثه مع استمرار الممارسة الديمقراطية وحرية التعبير، لاسيما إذا تحولت الصحافة إلى ممارسة سلطتها كسلطة رابعة، ولا شك أن انتخاب نصف أعضاء البرلمان سوف يشيع حالة من الجرأة النسبية على التعبير الحر ونقد أي ممارسة خاطئة،ومن ثم فإن من الآثار المتوقعة زيادة حجم حرية الصحافة.
وكذلك نتطلع إلى أن يتيح هذا القرار توسيع قاعدة المشاركة الشعبية وتقديم قيادات شابة تكون قادرة على صياغة التشريعات والقوانين والتعامل مع المستجدات من خلال فتح قنوات جديدة أمام الشباب وجيل الوسط حتى يمارسوا دورهم في طرح الحلول لهموم وطنهم الاتحادي ومشاكلهم بقضاياهم طرحاً يعبر عن روح العصر بالشكل المناسب والمنهج العلمي تحت قبة المجلس الوطني الاتحادي.
ويحدونا الأمل أن يدخل الشباب من الجنسين في المجلس الوطني، فلابد أن تتسع مشاركة هذه الفئة، ولابد من إعطاء الفرصة لهم كاملة سواء بالانتخاب أو التعيين في عضويتها للمجلس الاتحادي. فقطاع الشباب في الإمارات قطاع عريض ولابد أن يوجد في المجلس من يعبر عن مصالحه، لكن من جهة أخرى على الشباب أن يضطلع بدوره في تنمية المجتمع وصنع مصيره وأن يكف عن السلبية واللا مبالاة.
ولذا على من يرى من الشباب في نفسه القدرة على المشاركة السياسية أن يشارك بأية وسيلة متاحة في الانتخابات والتي أصبحت على الأبواب، من دون أي تردد أو خوف، فوطننا بحاجة كبرى إلى جهود كل شاب، بلدنا بحاجة قصوى إلى دماء جديدة تؤدي دوراً جديداً بروح جديدة تعبر عن طبيعة العصر وظروف المرحلة الراهنة والمستقبلية.
إن مبادرة التحديث السياسي التي قام بها صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة «حفظه الله» لابد أن تستمر بالزخم نفسه، ولن يحدث هذا من دون تطوير وتعديل وإعادة مراجعة ومعالجة التشريعات السياسية، حتى تواكب روح الحداثة والمشاركة السياسية الفعالة والأداء البرلماني الذي نتطلع جميعاً إلى ان يأتي على درجة لا تقل عن الأداء البرلماني في ديمقراطيات العالم المتقدم.
ولن تأتي الديمقراطية في يوم وليلة، بل لن تأتي إلا بمواصلة المبادرات السياسية، عبر مشاركة مؤسساتنا السياسية والدينية والثقافية والإعلامية والتعليمية ومنظمات المجتمع المدني في صنعها، فلا مفر من ان تتحمل تلك المؤسسات مسؤولياتها في غرس قيم العمل الديمقراطي داخل الدولة وبين طبقات الشعب.
في اطار مزيد من حرية الإعلام والصحافة على وجه الخصوص لتكون هذه الخطوة عنواناً لدخول الإعلام بالدولة مرحلة جديدة من الممارسة الديمقراطية القائمة على الحرية الملتزمة والمسؤولة. فالحرية ليست فوضى والديمقراطية ليست انفلاتاً.
والأمل هو ان يكون التغيير والتحول الديمقراطي في الإمارات تغييراً حقيقياً من خلال آلية ديمقراطية حرة، دون تدخل من جهة، لان الديمقراطية هي طريق الإصلاح. وهذا ما اختارته دولة الإمارات العربية المتحدة، وان كان على نحو تدريجي على مراحل وهي بهذا ترفض البدائل التي تلجأ إليها الأنظمة الاستبدادية للسيطرة على الشعوب.
ومن المتوقع ان يكون المواطنون الذين سوف يتم انتخابهم في البرلمان الاتحادي خلال الدورة البرلمانية المقبلة محط أنظار جميع أبناء الوطن، بل سوف يكونون محط نظر كل الجهات الدولية ومؤسسات المجتمع المدني العالمي المعنية بالشأن الديمقراطي. ولذا سوف يخضعون من الجميع لامتحان صعب في مدى قدرتهم على نقل هموم الأمة الاتحادية وقضاياه إلى المجلس الوطني.
جامعة الإمارات