مرة أخرى تحمل التقارير من الأراضي الفلسطينية، أخباراً تدعو إلى التفاؤل باقتراب الفرج. الإشارات الإيجابية تتوالى حول حصول التوافق على تشكيل حكومة وحدة وطنية. ومع أنها ليست المرة الأولى التي يشاع فيها خبر التوصل إلى مثل هذا الاتفاق، إلا إننا نريد التصديق والاعتقاد بأن العملية، في هذه اللحظة، جدّية وان الطبخة باتت جاهزة، لوضعها موضع التنفيذ.
فواقع الحال الفلسطيني شبع من المراوحة والتأجيل. كما شبع من تداعيات الأزمة وما ترتّب عليها من كلفة مرهقة. وما يدعو إلى الاستبشار بالخير أن حدة التوتر، خاصة الميداني، بين «فتح» و«حماس» قد تراجعت بشكل ملحوظ في الآونة الأخيرة. أصوات وتظاهرات الاحتكام إلى السلاح غابت تقريباً عن المسرح. وهي انحسرت بالرغم من استمرار التعقيدات والخلافات السياسية، وبالتالي تعثر عملية إنجاز التسوية الحكومية الائتلافية.
وفي ذلك، لا ريب، مؤشر إيجابي، فهو يشي بأن الطرفين قد أدركا حقيقة أن الوحدة الوطنية، في اللحظة الراهنة حاجة جوهرية، واجبة الوجوب، لا بديل عنها ولا خيار غيرها، وحدها تشكل الدرع الواقية للوضع الفلسطيني بكل تنوعاته وألوانه، المستهدف باستمرار، بماضيه وحاضره ومستقبله ومصيره.
والعدوان الإسرائيلي الأخير على شمال غزة، كان آخر شهادة لهذا الاستهداف، كما يصبّ في هذا المجرى، موقف إدارة الرئيس بوش المعروف والذي جدّده أمس الرئيس، برفضه لفكرة المؤتمر الدولي. أي ما ترجمته ترك الحبل على غاربه للاحتلال الإسرائيلي، كي يواصل عبثه واستباحته لحقوق وحياة الشعب الفلسطيني، في الضفة وغزة.
كذلك يشير هذا المؤشر إلى أن القوى الفلسطينية التي حرقت أشهر عدة في صراعاتها، التي هددت بالانجراف إلى الهاوية، وصلت في النهاية إلى قناعة مفادها أن الشراكة في إدارة الصراع مع الاحتلال الإسرائيلي وحلفائه، شرط لا يستقيم النهوض بهذه المهمة الوطنية التاريخية، من دونه.
لقد جرّبت هذه الساحة كل البدائل الممكنة، ولم تحصد غير الفوضى والضياع، ناهيك عن الانفلات والتسيّب الأمنيين، وعما أدّى إليه التشبث والتفرّد وثقافة الاستئثار بالقرار، من شطط وانحراف نحو الوقوع في المحظور المميت.
نفترض أنه على قاعدة هذا الإدراك وحساباته، قد تمّ التوصل إلى الاتفاق المبشّر بغلق باب الأزمة. لكن الصيغة لهذا الاتفاق لا تزال منقوصة، حسب المعلومات المتداولة، تحقق التراضي حول توزيع المناصب الوزارية، في الحكومة العتيدة، لكن مسألة شخص رئيسها، لا تزال عالقة، وكذلك برنامج الحكومة.
الأولى، تفتعل تل أبيب العراقيل، في طريقها، عن طريق الفيتو المسبق، ومثل ذلك متوقع وغير مفاجئ، لكن موضوع البرنامج ينبغي أن يكون مفتاحه بيد الأطراف الفلسطينية، فهو ورقة القوة الفلسطينية الوحيدة، بما يمثله من قاسم مشترك يحظى بالالتفاف الوطني الواسع حول بنوده. وهنا يكمن المحك والامتحان.
بل هنا يكمن بيت القصيد. وغني عن البيان أنه بقدر ما يتطلب ذلك من المرونة التي تقتضيها معطيات اللحظة الراهنة، بقدر ما يتطلب من الوضوح والالتزام بما ينبغي الاتفاق حوله لجهة البرنامج الحكومي باعتباره البوصلة الكفيلة بتحصين الوحدة الوطنية، وبخلاف ذلك تكون العملية أشبه بوضع العربة أمام الحصان.