لم تكن انتخابات الكونغرس الأميركي النصفية الأخيرة دون نكهة تميزها عن غيرها من تلك الانتخابات التي تجري كل سنتين لاختيار الغالبية الساحقة من الهيئة التشريعية للولايات المتحدة الأميركية، رغم أن مثل هذه الانتخابات لا تصل عادة نسبة الناخبين المشاركين بها نصف مَن يحق لهم التصويت.

فهذه الانتخابات التي فاز بها الديمقراطيون بمقاعد الكونغرس بمجلسيه (النواب والشيوخ) كان لها على الأقل علامتان بارزتان يجدر التوقف عندهما. والعلامتان لا شك ستؤثران في مجرى تطور الحياة السياسية في المجتمع الأميركي.

أما أولاهما فهي وصول السيدة نانسى بيلوسي إلى منصب رئيس مجلس النواب لأول مرة في تاريخ الديمقراطية الأميركي. وهذا المجلس مكون من 435 نائباً ينتخبون كل سنتين انتخاباً عاماً.

وقد علق رئيس المجلس المنتهية ولايته الجمهوري نيوت جنجرتيش في أغسطس الماضي حينما كانت تزحف بيلوسي إلى السلطة بثقة بأن رئاستها للمجلس ستكون (وبالاً على البلاد) !! والحق أن قدرات بيلوسي القيادية قد ظهرت حينما أصبحت في العام 2002 زعيمة للديمقراطيين في مجلس النواب. وكانت من بين 126 نائباً من حزبها الذين صوتوا ضد حرب العراق.

ونانسي بيلوسي البالغة من العمر 66 عاماً تنتمي إلى دائرة سان فرانسيسكو الانتخابية، أكثر الدوائر تحرراً وانفتاحاً، وهي تنتمي إلي أسرة سياسية عريقة تنحدر من الأصول الإيطالية ذات الخلفية الكاثوليكية. وكأم لخمسة أطفال ومثلهم من الأحفاد وتنتظر الحفيد السادس، ترى بيلوسي أن رئاستها لمجلس النواب ستكون «كإشرافها على أطفالها الخمس» كما تنقل عنها كرستين سينس مونيتور بالعدد (9 ـ 11)!!

وقد اعتبرت الحركة النسوية فوز امرأة لهذا المنصب الرفيع، حيث يكون لها الحق في خلافة الرئيس بعد نائبه مباشرة نصراً لمسيرة المرأة الأميركية نحو وقوفها مع الرجل على قدم المساواة.

ولعل فوز نانسي بيلوسي سيفتح الباب على مصراعيه أمام هيلاري كلينتون، عقيلة الرئيس السابق للوصول إلى الرئاسة. فالنائبة هيلاري كلينتون، التي ترشحت في منطقة نيويورك قد فازت بمقعدها عن المدينة للمرة الثانية،.

وهي تتحفز لانتخابات الرئاسة التي ستجرى بعد عامين. وإذا ما استمرت الأجواء على ما هي عليه، أعني أجواء التأييد الكاسح للحزب الديمقراطي، فلن يكون في طريق هيلاري أي عائق للوصول إلى البيت الأبيض. ومما يساعدها على ذلك ضعف الزعامة الذي يعاني منه الجمهوريون.

أما العلامة الثانية للانتخابات الأخيرة فهي فوز أول مسلم من الأقلية السوداء بمقعد في مجلس النواب عن الحزب الديمقراطي بولاية منسوتا واسمه كيث إليسون.

وحسب الإحصائيات الرسمية يشكل المسلمون 1% من الشعب الأميركي، إذ يقدر عددهم بحوالي مليونين ومئتي ألفاً. واليسون هذا قد اعتنق الإسلام منذ كان طالباً، وقد اتهم بأنه ينتمي إلى منظمة «أمة الإسلام» التي يترأسها لويس فرخان والمتهمة بالعنصرية وبمعاداة السامية.

ويبدو أن برنامج إليسون يدور حول المشكلات الداخلية دون أن ينسى الشأن العراقي الذي بات يمثل «وجعاً لرأس» كل سياسي أميركي. فهو يؤيد توجهاً لحل مشكلة أحد عشر مليوناً من المقيمين بصورة غير قانونية بمنحهم الجنسية الأميركية. وهو أيضاً مع حقوق المرأة بالذات فيما يخص حصولها على الخدمات الاجتماعية.

بيد أن إليسون لا يمكن أن تنطبق عليه المقاييس الإسلامية الرائجة في منطقتنا ـ وهو بالمناسبة لم يطرح نفسه مرشحاً إسلامياً بل مرشحاً ديمقراطياً. فهو على سبيل المثال يؤمن بحقوق المثليين الجنسيين وغيرها من القضايا التي تجيش بها المجتمعات الغربية!!

واحتفظ العرب بنفس قوتهم: ثلاثة أعضاء في مجلس النواب وعضو واحد في مجلس الشيوخ. وتذكر البي البي سي (6/11) أن 60% من العرب هم من أصول مسيحية، إلا أن التوجه المضاد للعرب السائد في الولايات المتحدة قد قلل الفوارق بين هؤلاء وشكل منهم كتلة واحدة تصب في صالح مرشحي الحزب الديمقراطي بنسبة 2 إلى 1 أو في بعض المناطق بنسبة 3 يؤيدون الحزب الديمقراطي من الجالية العربية في مقابل 1 يؤيد الحزب الجمهوري.

وهذه الانتخابات لم تكن دون ضحايا، وأول ضحاياها كان وزير الدفاع دونالد رامسفيلد، مهندس حرب العراق واحد صقور البيت الأبيض.

ورامسفيلد ظل في منصبه طويلاً، منذ العام 2001، ولم تكن هذه هي المرة الأولى التي يتربع بها على كرسي وزارة الدفاع، بل لقد وصل إلى هذا المنصب وهو في ريعان شبابه أيام حكم الرئيس جيرالد فورد بين عامي 1975 و1977. وكان رامسفيلد يردد دائماً الحكمة التي تقول: «إذا لم تتعرض للانتقادات فأنت لا تقوم بعملك بالشكل المطلوب».

ويبدو أن تلك الحكمة كانت له سلويً وعزاءَ في آخر أيامه حيث تكاثر عليه المنتقدون بسبب تهوره في قرارات حرب العراق وعدم أخذه الحيطة بالذات فيما يتعلق بعدد القوات المطلوبة لفرض الأمن بعد سقوط النظام.

والحق أن رامسفيلد كان يدعو دائماً إلى تقليل العنصر البشري المكون للقوات المسلحة الأميركية والتعويض عن ذلك باستخدام التقنيات المتطورة. ولعل فشل تلك الفكرة على أرض الواقع في العراق قد وضع صاحبها في مرمى السهام وربما وأد فكرته من أساسها.

ترى هل تعنى تلك الانتخابات شيئاً بالنسبة لقضايا منطقتنا؟ يمكن القول ان منطقتنا ومشكلاتها بالذات الوضع في العراق كانت في قلب الحملات الانتخابية ومادة لها. فتنامي عدد الجنود الأميركيان الذين يسقطون صرعى على أرض العراق لا شك كان السبب المباشر لسقوط الجمهوريين باعتراف الرئيس بوش.

وبالتالي، ستكون تلك الحقيقة مشخصة أمام ناظري الديمقراطيين القادمين إلى الكونغرس، خاصة أن شعارهم فيما يخص العراق كان ينص على « تغيير المسار». والخيارات لا شك صعبة وربما تبنى الديمقراطيون الانسحاب التدريجي. وكل الخشية ألا ينجح هذا الخيار فيلجأ هؤلاء إلى خيار تقسيم العراق كما هو مطروح في أوساطهم.

أما القضية الفلسطينية فإن موقف الديمقراطيين لا يختلف البتة عن موقف الجمهوريين إن لم يكن أسوأ منه، ذلك أن اليهود يمثلون قاعدة مهمة في هذا الحزب كونه يمثل أساساً حزب الأقليات. ولا أظن أن عملية السلام ستتحرك في ظل هذه الأوضاع التي تريد الإدارة الأميركية أن (تفصّل) للشعب الفلسطيني حكومة حسب رغباتها وليس حسب الاختيارات الحرة لهذا الشعب.

وسواء تأثرت منطقتنا بنتائج تلك الانتخابات أم لم تتأثر. فإن نتائجها لا شك تاريخية بالذات فيما يتعلق بدور المرأة السياسي في المجتمع، وهي خطوة في طريق طويلة نحو المساواة.

كاتب كويتي

alyusefi@hotmail.com