بغياب العقل، غابت الإحصائيات عن خسائر العراق البشرية والمادية ونتائج انعكاسات ما يجري الآن على المستقبل البعيد، والمنذر بكوارث غير مسبوقة في تاريخ هذا البلد العريق، أن يتجه إلى الموت المتسارع والتفتيت..
تولّد الحروب وقائع خارج ما يتوقعه العقل، وفي العراق تم نهب المتاحف مع دخول القوات الأمريكية، وتأسست (مافيا) سرقة عائدات النفط من خلال منظومة لصوص محترفين أعطتهم حالة العراق التجذر والتمدد مع عصابات خارجية، ثم تم استهداف المواطنين من مختلف المراتب، بدهم بيوتهم وقتلهم والاستيلاء على كل شيء قابل لعرضه بمزادات البيع، والاتهام يشمل جميع الفصائل من طائفية وقبلية وحزبية..
الطامة الكبرى أن العراق فقد أكبر نسبة من أساتذة الجامعات والمعاهد، إما بالقتل، وهي مشكلة تحاسب عليها أجهزة الأمن الرسمية، أو بالهجرة إلى الخارج، ومعنى إفراغ العراق من طاقاته العلمية والفكرية، لا يتصل بخلافات سنية - شيعية، أو أي فصيل آخر، وإنما بتحويل هذا البلد الى قطيع من الجهلة يسهل توظيفهم في منظومات إجرامية وفقاً لما يحدث في أفريقيا، وبعض الدول الأخرى، وقد عانى لبنان هذه الخسائر فترة الحرب بحيث تم تحويل تلك الطاقات التي استنزفت ميزانيات الدولة ومدخرات العائلات، أن قدمت الى دول الهجرة أهم رأسمال مدرب ومتعلم، والذي يجري بالعراق لا يختلف عن تلك الأهداف، وواقعة اقتحام وزارة التعليم العالي، واعتقال العشرات من الموظفين والمراجعين نمط لأقذر حرب استنزاف لأهم ما يملكه العراق..
الدوافع خطيرة، اختلط فيها الإرهابي الداخلي أياً كانت هويته، مع رغبات دولية وتشجيعها لإفراغ العراق من كل عناصر قوته وتاريخه، ولعل الاتجاه إلى تدمير المؤسسات التربوية والتعليمية يعتبر الأخطر، لأننا لا نرى محايداً من أي طائفة يدافع عن تلك المؤسسات ويحميها..
العراق مقبل على مخاطر هائلة، فلا وثيقة مكة أقنعت المتحاربين وقياداتهم، ولا الدول الغازية قادرة على إنقاذ الوطن من المتلاعبين بمصيره، ولا يُستثنى من المسؤولية الدول المجاورة التي وجدت بالساحة العراقية لتصفية حسابات مع قواه الداخلية، أو استنزاف الدول الغازية، وفي هذه الأجواء لا أمل بإصلاح قريب لمن يتقاتلون على الهوية..