انتهت الجولة الرابعة من «الحوار الوطني» اللبناني، من دون إحراز أي تقدم، أو تحديد موعد الجولة المقبلة، وبدا واضحا من تحليل ما دار على الطاولة أو في الأروقة أو في خطوة استقالة وزراء حزب الله وحركة أمل، أن الهوة لا تزال كبيرة بين الكتلتين السياسيتين المتنافستين، مع إصرار كل طرف على أن يحقق كل أو أغلب ما حدده من مكاسب قبل انطلاق الحوار،
في تناقض مع قاعدة ذهبية تقول «دفع الضرر مقدم على جلب المنفعة»، والتي يبدو لبنان في حاجة ماسة إليها، من أجل إعمار ما خربته الحرب، وامتلاك القدرة على ردع عدو لا تزال طائراته تستبيح أجواء البلاد، ولا يزال يحلم بجولة قتال ثانية يعوض فيها خسارته المذلة، وقبل كل هذا من أجل تحقيق التكامل الوطني، والتمسك بالهوية العربية للبنان.
ومن العبث أن يتعامل الطرفان المتنافسان في لبنان مع ما يجري بتطبيق «المعادلة الصفرية»، التي يحاول فيها كل طرف أن يحصل على كل شيء ويجعل خصمه أو منافسه يخرج من اللعبة بخفي حنين. فمثل هذه اللعبة لا تستند إلى واقع سياسي حقيقي، فلا الحكومة التي تمتلك الأكثرية النسبية تضمن الحفاظ على وضعها هذا إن جرت غدا انتخابات،
ولا اللحظة التي حصلت فيها هذه الحكومة على تلك الأغلبية لا تزال قائمة، إذ إن ملف اغتيال الحريري، الذي كان بمثابة البوابة العريضة العالية التي دخلت منها حكومة السنيورة، طمرته أحداث جسام، ولم يعد بوسع كتلة 14 مارس أن تستخدمه بالزخم نفسه الذي جرى عقب الحادث مباشرة.
وعلى الطرف الآخر فإن حزب الله، وإن كان قد حقق نصرا تاريخيا واستراتيجيا مشهودا على إسرائيل وبات رقما كبيرا في المعادلة السياسية اللبنانية من المستحيل تجاهله أو إهماله، فإنه بات في حاجة أشد إلى الكتل السياسية والطائفية اللبنانية المختلفة معه، وإلا أصبح ظهره مكشوفا أمام إسرائيل،
وفي وجه قرارين دوليين استهدفا نزع سلاحه، وإنهاء وجوده العسكري، وفي مواجهة عدو حاول كثيرا اللعب على التناقضات الداخلية اللبنانية في سبيل شق الصف وبث الفرقة وإضعاف الهمة والاستفراد بحزب الله سياسيا، مثلما تم الاستفراد به عسكريا في منازلة ضروس، استمرت ثلاثة وثلاثين يوما.
والطرفان المتنافسان لا يمكن أن يتعاميا عن السياق الاجتماعي المحلي الذي يعملان فيه، فالشعب اللبناني تساوره دوما شكوك في نخبته، وينظر إليها على أنها نخبة نفعية، تغلب في كثير من الأحيان مصالحها الشخصية على الصالح العام، وتنظر تحت أرجلها حين تداهمها المشاكل وتضربها الأزمات، ولا ترسل أنظارها بعيدا لتستشرف ما يهم الوطن،
وما يخطط له من مؤامرات. وهذه الصورة الذهنية المنطبعة في عقول العوام عن قادة الطوائف والمسؤولين المتنفذين، تجعل غالبية النخبة، خاصة من هم في الحكم، ليس بوسعها أن تعول على الجماهير إلى النهاية، ومن ثم يصبح من الصعب عليها أن تراهن على النزول إلى الشارع،
باعتباره الورقة المخلصة في مواجهة المنافسين السياسيين، ناهيك عن أن استقطاب الشارع هو عمل في حد ذاته محفوف بالمخاطر، في بلد لا تزال الطائفية تعشش في أذهان الأغلبية الكاسحة، ولا تزال بعض الأحقاد والضغائن من الحرب الأهلية عالقة في النفوس. في المقابل فإن مراهنة حزب الله وحركة أمل والتيار الوطني الحر على الشارع هو نوع من الاستعجال في ترتيب أمور ما بعد الحرب، نحو إسقاط الحكومة، كما أن إدخال الناس في مثل هذا المسعى المعقد، قد يضع الجميع في مهب الريح.
كان الأفضل أن ينحي المتحاورون القضايا الكبرى مثل إسقاط الحكومة ووضع رئيس الجمهورية ونزع سلاح حزب الله، وأن يوجهوا اهتمامهم إلى القضايا الإجرائية التي تحسن شروط الحياة السياسية اللبنانية، مثل سن قانون انتخابي جديد، وتفعيل المجلس الدستوري، ومناقشة الموازنة العامة.
ومن الضروري أن يتم تناول كل هذا وسط التمسك بالثوابت الراسخة، وفي مقدمتها الإجماع على أن إسرائيل هي العدو، وأن استقرار لبنان خط أحمر لا يجب لأحد، أيا كانت شرعيته أو مبرراته أو جماهيريته، أن يتجاوزه، وأن الحوار يجب أن يستمر حتى تنتهي الأزمة بحل يرضي الجميع.
مدير مركز أبحاث ودراسات الشرق الأوسط ـ القاهرة