زهاء سبعة مليارات من الدراهم أو تزيد أنفقتها دولة الإمارات في العشرين سنة الأخيرة على الحركة الرياضية، وهذا يعني أن الدولة ضحت من أجل عيون الرياضة بما يكفي لإنشاء 150 مدرسة نموذجية و10 مستشفيات متطورة و150 مكتبة زاخرة، إلا أن الرياضة مع كل ذلك الكرم الحاتمي الذي أُغدق عليها والذي أثقل كاهل ميزانية تنموية لدولة ناشئة بتلك المليارات، لم ترجع من كل صولاتها وجولاتها إلا بخفي حنين، وتحولت وعودها للجماهير أحلاما في اليقظة، وهذا واضح في أكثر من جانب:

فأولاً: ما حققته المنتخبات والفرق الرياضية والرياضيون الإماراتيون على المستويين الدولي والإقليمي من نتائج أو إنجازات رياضية لا يكاد يبل الرمق أو يرضي الطموح، ولا يتناسب مع حجم المجهودات والدعم الإعلامي والجماهيري والإنفاق السخي، وكأنها تعاني من العقم وانعدام التوازن فكانت نتائجها في المحافل الرياضية العالمية في أغلب الأحوال أشبه ما تكون بفضائح مدوية بكل المقاييس.

وثانياً: لا يزال المجتمع الإماراتي أميّا رياضيا، فنسبة الذين يمارسون الرياضة كجزء من ثقافتهم الشخصية لا تتجاوز 15% من مجموع السكان من المواطنين على أحسن تقدير لدرجة أنك تجد فئة من فئات المجتمع ممن يفترض أن تكون في قمة اللياقة البدنية كالعسكريين تتدلى كروش غالبيتهم،

بينما نجد أن دولة كألمانيا يزيد عدد لاعبي كرة القدم المسجلين فيها فقط في سنة 2006 عن 6, 4 ملايين لاعب (8% من عدد السكان) ويصل عدد أنديتها إلى أكثر من 26 ألف نادي، ورغم أن المؤسسات الرياضية الرسمية عندنا ترفع شعار: «الرياضة للجميع» إلا أن الجميع لا يمارس من الرياضة إلا مشاهدة المباريات والأحداث الرياضية ومتابعة نتائجها،

بينما لا تشغل الرياضة من برنامج نشاطه اليومي كممارسة ولا حتى دقائق معدودة، وأما إذا جئت إلى مفهوم الثقافة الرياضية لدى غالبية الإماراتيين فإنك ستجده غير واضح المعالم ولا يوجد لديهم وعي بنظام التغذية الصحية ومقدار الحركة الذي يناسبه، وهذا ما وصل بنسبة البدانة لدى الأطفال والشباب إلى مستويات تثير الهلع لبلوغها حدودها العليا المتعارف عليها عالميا.

وثالثاً: ان جعجعة الحركة الرياضية التي تشغل مساحة كبيرة من الإعلام ومن اهتمامات الأفراد، لم تؤثر بنفس القدر في تطوير المجتمع وتنميته، فلم تنشأ صناعات رياضية تزود النشاط الرياضي باحتياجاته من المعدات والأدوات والملابس، وقوة العمل من الموارد البشرية الرياضية من خبراء ومستشارين ومدربين وفنيين ضئيلة للغاية،

ومعظم المنشآت الرياضية ليست معالم حضارية بارزة، ولا تتوافر فيها المواصفات الدولية مما لا يؤهلها لاستضافة الدورات العالمية، والدولة ما تزال تفتقر إلى مراكز أو معاهد للدراسات والبحوث الرياضية، كما لم تنشأ أيضاً مؤسسات للإنتاج الداعم أو الموازي للحركة الرياضية كإصدار الكتب العلمية المتخصصة والمطبوعات الرياضية المهنية وإنتاج البرامج التلفزيونية والإذاعية ونحوها.

ورابعاً: يكاد 50% من الاهتمام بالرياضة ينصب على عروس الرياضة المدللة كرة القدم، بينما لا تحظى بقية الرياضات مجتمعة إلا بالنصف الباقي، والذي يمسك بزمام الحركة الرياضية هي أندية كرة القدم فقط، بينما تغيب عن هذه المهمة الخطيرة مؤسسات هي صاحبة الشأن كالمدارس والجامعات والمراكز الرياضية المتخصصة،

أما الخطأ الاستراتيجي الذي كرّسته الاتحادات الرياضية فيتمثل في قصر نظرها عن إدراك مفهوم الرياضة فلم تفهم منه إلا أنه تحقيق النتائج فقط باستخدام كل الوسائل الممكنة، ولم تعط الرياضة الاهتمام اللائق بها كثقافة مجتمعية، هذا من ناحية ومن ناحية أخرى فإن اهتمامها انصب على الأندية الرياضية واعتبرتها الممثل الشرعي الوحيد للرياضة،

وتناست بشكل كامل الشركاء المعنيين الآخرين من المؤسسات التي أشرنا إليها آنفا. ترى، أين يكمن مأزق الرياضة في دولة الإمارات؟ هناك العديد من العوامل التي كانت ومازالت تلعب دورها في جعل الرياضة تراوح مكانها على سبيل إثبات الوجود، وتحول دون تحولها إلى محرك يمنح المجتمع الطاقة والحيوية والسعادة والثقة بالنفس،

وللأسف فإن هذه العوامل خلال مسيرة الحركة الرياضية لم تتطور إلا في الشكل، أما المضمون ومنهجيات العمل الرياضي فقد بقيت بسيطة وهامشية وتقليدية، وهذا ما أعجزها بوضوح عن مسايرة الحركة الرياضية العالمية، ومن هذه العوامل:

1 ـ غياب الإطار الاستراتيجي الهيكلي الذي يحقق تكامل عناصر الحركة الرياضية وأهدافها ووسائل الوصول إليها والنتائج المطلوب تحقيقها.

2 ـ عدم وجود إدارة متطورة في المؤسسات الرياضية ممثلة في الاتحادات والأندية الرياضية، أو بالأصح عدم تطبيق المبادئ والأسس والأساليب الإدارية الحديثة أو عدم استقطاب الموارد البشرية المناسبة، لا في شؤونها الرياضية ولا الفنية ولا المالية ولا التسويقية، بل إنها تسير خطى عشواء بقرارات مزاجية من مراكز القوى في مجالس إدارتها التي تصيب حيناً وتخطئ في أكثر الأحيان، يضاف إلى ذلك أن الإطار القانوني للأندية الرياضية ومعاملتها على أنها جمعيات ذات نفع عام أو مؤسسات أهلية تحتاج إلى إعادة نظر، لأنه إطار لا يتناسب مع طبيعة نشاط هذه المؤسسات.

3 ـ مكونات أو عناصر الحركة الرياضية إما غير مكتملة أو ان أداءها متفاوت الفاعلية بشكل ملحوظ، وهذا ينطبق على مستوى المنشآت الرياضية (باستثناء كرة القدم وإلى حد ما)، وعلى الإعلام الرياضي، والطب الرياضي، والتعليم والتأهيل الرياضي وكل ما هو رياضي.

4 ـ ضعف الإمكانيات الرياضية في المحاضن الرياضية، وأقصد بها المدارس لاسيما المدارس الحكومية، وبخلاف بعض المدارس الخاصة ببعض الجاليات فإن 99% من المدارس لا تتوافر بها منشآت رياضية متطورة أو كوادر تعليمية عالية الكفاءة أو أن النشاط الرياضي فيها لا يخرج عن دائرة حصة التربية البدنية التي لا تتجاوز في مجموعها عن 90 دقيقة في الأسبوع.

إن الحركة الرياضية في الإمارات تحتاج إلى صياغة جديدة لقواعدها، ولو بحثنا عنها لوجدناها قد صيغت في عبقرية واضحة وإيجاز بديع في مقولة الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه الشهيرة: «علموا أولادكم السباحة والرماية وركوب الخيل»، وهذه القواعد المستوحاة من تلك المقولة هي:

1 ـ أن الأمر بلفظ «علموا» يعني أن الرياضة علم، وهذا يقتضي من جهة أن لها أصولا ومبادئ وأساليب علمية في كل المسائل المهنية والفنية والإدارية التي يجب العمل بموجبها وليست عملا ارتجاليا، ومن جهة أخرى أن يكون «تعلمها» سواء أكان على سبيل الهواية أو الاحتراف وفق أصولها وأساليبها العلمية على أيدي متخصصين مهرة، لا أن يمارسها الإنسان كما يحلو له دون دراية بكيفية ممارستها فتضره أكثر مما تنفعه.

2 ـ ان الخطاب بصيغة الجمع «علموا» يفيد أن المسؤولية تقع على المجتمع بكامله وليس الأفراد وحدهم، وبالتالي تصبح مهمة يجب أن يتصدى لها مؤسسات متخصصة أو مراكز للتعليم والتدريب على ممارسة الألعاب الرياضية.

3 ـ ان الرياضة تبدأ من سن الطفولة فقال «علموا أولادكم» ولم يقل «تعلموا»، كما أن كلمة «أولادكم» تعطي إيحاء بأن الأولوية في العناية للأولاد صغار السن، وهذا يؤيد دور المدارس في التنشئة الرياضية.

4 ـ ان الرياضة لشرائح المجتمع جميعها ذكوراً وإناثاً وليس لجنس دون الآخر فقال «أولادكم» ولم يقل أبناءكم لأن الأولى تشمل الجنسين، كما أن اتساع معنى الكلمة يندرج تحتها كل ما كان من جنس الأولاد وإن كانوا شباباً أو حتى رجالاً وكهولاً.

5 ـ الإشارة إلى عدة رياضات دون الاقتصار على نوع محدد منها يفيد أن الشخص الواحد عليه أن يتعلم ويمارس أكثر من رياضة، ويؤكد ذلك ذكرها باستخدام «الواو» للعطف، ولك أن تتخيل لاعب لكرة القدم لا يجيد السباحة مثلاً، وهذا الاتجاه لم ينتبه إليه الغرب إلا حديثاً، فصار الرياضيون هناك يحرصون اليوم على تعلم عدة لعبات رياضية وممارستها ولا يتقيدون بلعبة واحدة إلا على سبيل الاحتراف.

6 ـ ان تكون الرياضة التي يختار الفرد ممارستها ذات فوائد وعوائد حياتية إيجابية، بحيث تتحول إلى جزء من ممارسة حياته اليومية وتمنحه الثقة بالنفس، ولاحظ الاختيار الدقيق لرياضات كالسباحة والرماية وركوب الخيل وكلها رياضات تكسب الإنسان اعتدادا وثقة بالنفس.

7 ـ ذكر رياضات فردية ولم يأت على ذكر الرياضات الجماعية، حتى تبقى الرياضة اهتماما وممارسة فردية في الأساس، أما الرياضة الجماعية فتأتي بالتبعية.

8 ـ أن تكون الرياضة شعارا يرفعه الجميع وثقافة يفهمها الجميع، وممارسة يحرص عليها الجميع من بداية اشتداد عودهم، وإلى أن تشتعل رؤوسهم شيباً.

كاتب إماراتي