.. وهل كان استخدام الفيتو الأميركي مصدر دهشة؟ وإن كانت قيادة السلطة الفلسطينية قد توهمت أن الولايات المتحدة ربما تسمح هذه المرة بتمرير مشروع قرار دولي ينطوي على إدانة لإسرائيل فإن معنى ذلك أن الرئيس أبومازن أو رجاله لا يتابعون حتى الأخبار التي تبثها الوسائل الإعلامية. فعندما توجه أبومازن إلى الإدارة الأميركية طالباً منها في خطاب علني أن تأمر إسرائيل بوقف هجماتها الوحشية على منازل الأسر الفلسطينية في قطاع غزة، جاء رد واشنطن فورياً وقاطعاً: إسرائيل «تدافع عن نفسها».

كم من المرات تكرر المشهد بعناصره الأربعة: هجمة إسرائيلية وحشية تمتد لأيام بلياليها.. مناشدة من أبومازن.. إعلان أميركي بأن إسرائيل تمارس حق الدفاع عن النفس.. وفيتو أميركي في مجلس الأمن الدولي لإحباط أي إدانة ـ مجرد إدانة لفظية لا أكثر ـ لإسرائيل.ولكن إذا كان المشهد المتكرر مؤسفاً فإن ما يدعو إلى الأسف المضاعف هو موقف قيادة السلطة الفلسطينية الذي يمكن أن يوصف بأنه «غريب» إذا استخدمنا لغة مخففة.

فخلال حمأة الاعتداء الإسرائيلي الأخير وعلى خلفية الأفق القرمزي في غزة قال الرئيس أبومازن للعالم: «إسرائيل لا تريد السلام» ومن قبيل التأكيد أضاف: «إسرائيل تتعمد تضييع أي فرصة لإحلال السلام لأنها لا تريد السلام».بعد هذه العبارة.. والعبارة التالية المكملة لها ليس هناك سطر جديد في خطاب أبومازن، فالسلطة الفلسطينية ليس لديها استراتيجية لكيفية التعامل مع الاحتلال الإسرائيلي.

ولنرد القصة إلى أصلها الجذري ابتداء من إعلان أبومازن: «أجل.. إسرائيل لا تريد السلام. ومعنى ذلك أنه ليس ورادا على أجندتها الاستراتيجية تصفية احتلالها للأراضي الفلسطينية، وإذن في مواجهة الفلسطينيين فإنها لا تعتمد سوى أسلوب القتال».على أساس هذا المنطق البسيط فإن على قيادة السلطة الفلسطينية أن تحدد رؤية تجاه هذا الوضع، وتعلن هذه الرؤية على شعبها، وليس هناك سوى رؤيتين فقط: المقاومة المسلحة أو الاستسلام.

من الثابت الآن أن قيادة السلطة ترفض مبدأ الكفاح المسلح. لكن ليت الأمر توقف عند هذا الحد، فعلى الأفق مؤشرات بأن السلطة الفلسطينية ربما تسخر أجهزتها الأمنية ومواردها السياسية لخدمة الأجندة الإسرائيلية الموجهة ضد فصائل المقاومة. لقد أوردت الوسائل الإعلامية الأميركية والإسرائيلية مؤخراً تقارير عن الإعداد لحملة أميركية ـ إسرائيلية لشن حرب شاملة للقضاء على فصائل المقاومة،

وأن القوات الأمنية التابعة للسلطة الفلسطينية ستكون شريكاً تحالفياً في هذه الحملة، وبالرغم من أن مثل هذه التقارير تتواتر حاملة المزيد من التفاصيل (إمدادات أسلحة أميركية لقوات السلطة الفلسطينية مثلاً) فإن الرئاسة الفلسطينية لم تعن بنفي هذه التقارير. صفوة القول إن قيادة السلطة الفلسطينية ستبقى موضع ارتياب طالما أنها لا تتحدث عن أي استراتيجية لكيفية مجابهة العدو.