هل صارت القضية الفلسطينية ـ وهي أم قضايا الشرق الأوسط وأكثرها أهمية وخطورة ـ بعيدة عن أولويات السياسة الأميركية؟.. وهل صارت إسرائيل هي التي تملي على البيت الأبيض أولويات السياسة الخارجية للولايات المتحدة التي تتفق مع مصالح الدولة العبرية؟

زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي أيهود أولمرت لواشنطن واجتماعاته بالرئيس جورج بوش وكبار مسؤولي إدارته، وعلى رأسهم وزيرة الخارجية كوندوليزا رايس، كشفت عن أن الإدارة الأميركية لم تعد تولي كل اهتماماتها بالقضية الفلسطينية، بل ولم تعد تتحمس حتى لإطلاق مجرد التصريحات الحماسية لترضي بها الطرف العربي والفلسطيني. وكثيرا ما أمطرنا الرئيس بوش وإدارته بسيل من التصريحات الوردية التي تبشرنا بقيام دولة فلسطينية مستقلة.

بل إن الرئيس الأميركي كان أول رئيس للولايات المتحدة يؤيد قيام دولة فلسطينية وينطق باسمها بشكل مفاجئ في أعقاب هجمات سبتمبر 2001. ثم توالت تصريحاته وكان أكثرها اطمئنانا للطرف العربي، أنه أعلن وهو يخطط للحرب على العراق أن الدولة الفلسطينية سترى النور عام 2005، أي في العام الماضي(!!) وبدا الحماس الأميركي متزايداً مع تكرار تأكيد واشنطن على تنفيذ ما تسمى ب«خارطة الطريق» التي تمثل الحد الأدنى للطموحات الفلسطينية والتي قبلت بها السلطة الوطنية الفلسطينية في عهد زعيمها الراحل ياسر عرفات.

ولكن بدأ التراجع الأميركي واضحا تجاه قضية فلسطين. وتجلى ذلك منذ لقاء «المزرعة» بين الرئيس بوش ورئيس الوزراء الإسرائيلي السابق ارييل شارون في تكساس منذ ما يقرب من عامين. وقتها تبنى الرئيس الأميركي في تصريحاته العلنية أمام وسائل الإعلام العالمية وجهة النظر الإسرائيلية كاملة، حيث قال صراحة: إن الانسحاب الإسرائيلي إلى حدود 4 يونيو 1967 غير واقعي،

بل وأطلق الضوء الأخضر لإسرائيل لتبقي على مستوطناتها في الضفة الغربية، وتحتفظ بما تشاء من أراضي الضفة. ثم نبأنا الرئيس بوش بأن الدولة الفلسطينية ستقوم خلال فترة حكمه.وفي النهاية بدا أن كل ما وعدنا به يبدو الآن بعيد المنال بعد أن صارت سياسة الولايات المتحدة في المنطقة متطابقة تماماً مع السياسة الإسرائيلية. والأكثر من ذلك ساهمت واشنطن في تضييق الخناق على الشعب الفلسطيني منذ أن أسفرت الانتخابات الفلسطينية عن قيام حكومة حماس.

وبالتمعن في زيارة أولمرت لواشنطن، يتأكد لنا أن القضية الفلسطينية لم تتصدر اجتماعاته في البيت الأبيض أو الخارجية الأميركية. كان الاهتمام الأكبر هو إيران وبرنامجها النووي. وتقول وكالة «رويترز» إن الرئيس بوش وأولمرت استغلا محادثاتهما في البيت الأبيض لتكثيف الضغوط على إيران بشأن برنامجها النووي.

وقالت وكالة الصحافة الفرنسية من جانبها إن كليهما على تفاهم تام حول أهدافهما المتعلقة بإيران. بل إن العجوز الإسرائيلي شيمون بيريز الذي صار مجرد نائب لرئيس الحكومة الإسرائيلية، أطلق تصريحات تتعلق فقط بإيران في الوقت الذي كان فيه أولمرت يقابل بوش في البيت الأبيض.

إذن.. زيارة أولمرت لا تستهدف حلاً أو مناقشة جادة للقضية الفلسطينية بل تتعلق في المقام الأول بالملف الإيراني الذي يسعى الإسرائيليون إلى تصعيده. أما الشأن الفلسطيني، فلم يعد هناك شيء يقلق أولمرت، بعد أن اطمأن إلى أن مذابحه وجرائمه ضد الشعب الفلسطيني يحميها الفيتو الأميركي إلى الأبد. ولتأكيد عدم اهتمامه بالقضية، هاجم من واشنطن الدعوة العربية لعقد مؤتمر دولي للسلام في الشرق الأوسط، وهو مطمئن بأن واشنطن تسير على خطاه وليس هو الذي يسير على خطاها!

على العرب الآن، ألا يفتر حماسهم لفكرة عقد مؤتمر دولي، خاصة وان الفكرة تحظى بتأييد فرنسي وأوروبي أيضاً. ولابد من مخاطبة الجانب الأميركي الذي تستأثر به إسرائيل حتى يتبنى الفكرة التي تستهدف في المقام الأول إنقاذ المنطقة من عدوان إسرائيل اللانهائي ضد الشعب الفلسطيني.