طوال وجوده على رأس العمل الفلسطيني (19682004) لم يتعاط الفلسطينيون مع ياسر عرفات على أنه مجرد قائد سياسي لفصيل معين، أو على أنه مجرد رئيس (فيما بعد)، فلقد كان هذا الرجل بالنسبة لهم أكبر وأكثر وأعمق من ذلك، فهو زعيمهم وصانع هويتهم الوطنية وقاسمهم المشترك، وهو مؤسّس الكيانية الفلسطينية؛ ومن هذا كله استمدّ أبو عمار مصادر قوته، وفي كل ذلك تجذّرت شرعيته الشعبية، وعبر كل ذلك كمنت أسطورته.

فعلى مدار أربعة عقود من الزمن (تقريبا)، بعواصفها وزلازلها، بأحلامها واحباطاتها، مثّلت سيرة ياسر عرفات نهوض قضية وقيامة وطن وتطلّع شعب إلى الحرية، في إطار من الصراع على الزمان والمكان والمعنى؛ حيث استطاع الفلسطينيون، بحيويتهم وتضحياتهم، وبعنادهم وبطولاتهم، أن يفرضوا حقيقتهم، على الرغم من محاولات الإنكار والنفي والتغييب الإسرائيلية، ومحاولات التهميش والتقييد في الواقع الإقليمي العربي، والصمت والتجاهل الدولي.

ومع كل الانتقادات التي يمكن كيلها له، فإن التاريخ سيسجّل لياسر عرفات أنه صاحب المبادرة في إطلاق الكفاح التحرري ضد إسرائيل، الذي جاء بالشعب الفلسطيني من غياهب اللجوء والشتات والنسيان إلى معادلات السياسة في الشرق الأوسط، وأنه حافظ على مكانته المعنوية في قيادة الشعب الفلسطيني على اختلاف تلاوينه وتياراته، وأنه وضع شعبه المولع بالرموز والشعارات على عتبة الواقعية السياسية، إدراكا منه إلى حاجة الفلسطيني الماسة إلى تحويل حلمه الدائم في وطن متخيّل مسكون بالذاكرة، إلى وطن متعيّن على الخريطة، في عالم لا يعترف إلا بحقائق موازين القوى ومعطيات السياسة.

وتبدو مأثرة ياسر عرفات الفريدة أنه الزعيم الوحيد في هذا العالم العربي الذي منحه شعبه ثقته، ولو جاءت مشوبة ببعض الاختلافات، من دون أن يكون له سيادة إقليمية مباشرة على أي من التجمعات التي يعيش فيها الفلسطينيون، في الأراضي المحتلة وفي مناطق اللجوء المختلفة، وفي أماكن الشتات الشاسعة!

اللافت أن هذه الشخصية الإشكالية والبراغماتية لعرفات حيرت إسرائيل، كما غيرها، فهذا الرجل هو صاحب القرار في الكفاح المسلح ضدها وصاحب قرار التسوية والتعايش معها. وقائد المفاوضة والانتفاضة في الوقت ذاته. وهذا الرجل هو الشخص الذي وحّد الشعب الفلسطيني بمختلف تياراته، الوطنية والقومية واليسارية والدينية، من حوله.

وهو الزعيم الذي ظل الفلسطينيون يجمعون عليه، بمختلف المراحل والمسارات، من مسيرة الثورة إلى مسار التسوية. وهو الذي استطاع نقل الوعي السياسي لشعبه من عالم الشعارات إلى أرض الواقع، ومن فضاء التوهمات إلى الممكنات، ومن المطلق إلى النسبي. فهو أبو الواقعية والبرغماتية السياسية، برغم تمسكه بأهداب التاريخ ووقوفه عند تخوم الأسطورة!

ولعل من قبيل الإنصاف القول أنه مع كل الملاحظات على إدارة عرفات للوضع الفلسطيني فإن هذا الرجل، وبرغم الظروف الصعبة والضغوط الهائلة التي تعرض لها، ظل صامدا، مسكونا بهاجس دوره التاريخي وقيمته الرمزية ومكانته في قلوب شعبه، وهذا ما جعل منه شخصية عصية على التطويع أو التنميط.

مثلا، في تجربته في السياسة، لم يفرط ياسر عرفات بالوحدة الوطنية، إلى حد الذهاب للاقتتال الداخلي لفرض أجندته السياسية؛ ولم يتخلّ عن مشروعية خيار المقاومة المسلحة، برغم ولوجه خيار التسوية؛ كما لم يذهب إلى حد التفريط بالحقوق التاريخية للشعب الفلسطيني مقابل دولة أو سلطة، حتى أنه دفع ثمنا باهظا ثمن كل هذه الخيارات الصعبة والإشكالية، فيما بعض المعارضة بقي في مواقع المتفرجين أو المشكّكين!

لم يدرك معارضو ياسر عرفات، لاسيما من المحسوبين على المعارضة الفصائلية النمطية، طبيعة تلك الشخصية، فذهبوا بعيدا برميها بالكبائر؛ غير مدركين أبعاد هذه الشخصية الوطنية ـ التاريخية، التي ظلت تحاول التحايل على موازين القوى المختل بشكل فظيع لصالح إسرائيل، والتي ظلت تتنسّم صنع ثورة فلسطينية مستحيلة، في واقع عربي صعب ومشتت وعاجز، وفي ظل معطيات دولية غير مواتية على الإطلاق.

بديهي أن هذا الوقت ليس وقتا للمحاسبة، ولكن إعادة ترميم الساحة الفلسطينية تتطلّب فيما تتطلّب، مراجعة المعارضة الفلسطينية لخطابها الذي أسسّت عليه معارضتها، والتي دفع الشعب الفلسطيني أثمانها، منذ منتصف الثمانينيات من القرن الماضي. لذا ليس المطلوب، في هذا المقام، الاعتذار فقط للراحل الكبير ياسر عرفات، الذي كان زعيما وقائدا ومناضلا، والذي لم يقطع حبل الود والوصل مع معارضيه، على تبايناتهم، وإنما المطلوب من الأساس الاعتذار للشعب الفلسطيني، لأنه عبر هذا الاعتذار/ المراجعة يمكن التميهد لإعادة اللحمة للطبقة السياسية الفلسطينية.

والتأسيس لإعادة تأهيل منظمة التحرير وتفعيل دورها، وتحرير الخطاب النقدي الفلسطيني من التبعات التي كبّل بها، في ثنائية ضدية ساذجة ومضرة (مع أو ضد/ موافق أو معارض / وطني أو خائن)، نتيجة ضيق أفق المعارضة الفصائلية، وحساباتها السياسية المتضاربة.

ومثلا، فقد كان البعض في المعارضة الفصائلية يأخذ على ياسر عرفات أنه هيمن على منظمة التحرير، في حين أن الرئيس الراحل كان يحاول حماية استقلالية القرار الوطني الفلسطيني على طريقته، من الرياح والعواصف الإقليمية والدولية. الأهم مما سبق أن الفصائل المعارضة، لم تتمكن من تقديم النموذج المحتذى للقيادة الجماعية وللديمقراطية المتوخاة وللمراجعة النقدية المطلوبة، في خطاباتها وبناها وعلاقاتها الداخلية، والتي ينبغي على الرئيس عرفات الأخذ بها، في إدارته للساحة الفلسطينية! إضافة إلى أنها عجزت عن توحيد ذاتها!

إذا تجاوزنا الحديث عن الشأن الداخلي إلى الشأن السياسي فإن المعارضة الفصائلية، لياسر عرفات والتي استمرت طوال أكثر من عقدين، ومنذ ما بعد الخروج من بيروت، ولاسيما منذ توقيع اتفاق أوسلو (1993)، تأسست على اعتبارات، أو ادعاءات، ملخصها أن الرئيس الفلسطيني فرط في القضية الوطنية؛ وتخلى عن خيار الكفاح المسلح؛ وشقّ الشعب الفلسطيني. ولكن مسيرة ياسر عرفات خيّبت هذه الادعاءات السطحية والمتسرعة، التي غالبا ما انطوت على شخصنة النقد السياسي والمبالغة به مثلما تضمنت مراعاة حسابات إقليمية معينة.

وكما بات معلوما فإن ياسر عرفات لم يذهب إلى حد التفريط بالثوابت، المتعلقة بالبرنامج المرحلي (حل على أساس دولتين)، وبرغم أنه واجه ضغوطا ثقيلة جدا (إسرائيلية وأمريكية ودولية وإقليمية)، في مفاوضات كامب ديفيد (2000)، إلا أنه رفض التنازل عن الحل الوسط التاريخي.

وبالنسبة لاتهام ياسر عرفات بالتخلي عن خيار الكفاح المسلح، فقد أكدت مسارات الانتفاضة بأن هذا الادعاء ليس له صلة بالواقع، فقد كان أبو عمار ملهم الانتفاضة، مراهنة منه على معادلة المزاوجة بين الانتفاضة والمفاوضة. وكان حاضنا للظاهرة العسكرية المسلحة، التي أطلقتها كتائب الأقصى والعودة (التابعتين لفتح) منذ الأشهر الأولى للانتفاضة. وبذلك فقد دفع عرفات هنا أيضا ثمنا باهظا لتمسكه بخيار المقاومة المسلحة، التي اتهم يوما ما بأنه تخلى عنه إلى الأبد.

هكذا فإن بعض معارضي ياسر عرفات، من الفصائليين، لم يفهموه سياسيا، وهم أساسا لم يقدروا التعقيدات والإشكاليات والتداخلات المتعلقة بالصراع الفلسطيني الإسرائيلي، الذي لا يحكم بالشعارات والبيانات والرغبات وإنما بالتعامل مع واقع موازين القوى والمعطيات السياسية السائدة عربيا ودوليا.

كاتب فلسطيني