أمر صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي معالي الدكتور علي بن عبد الله الكعبي وزير العمل باتخاذ إجراءات ملزمة في شأن تنظيم شؤون العمالة الوافدة وتوفير كافة مقومات وشروط معايير الصحة والسلامة لهم والعيش الكريم سواء في السكن أو العمل. كما أمر سموه بإقرار نظام التأمين الصحي لجميع فئات العمال ووضع آلية فاعلة وملزمة تمكنهم من الحصول على رواتبهم المتأخرة وان يسمح للعمال الذين لم يتسلموا رواتبهم بتغيير عملهم إذا ما رغبوا في ذلك بدون معوقات.
كما شملت أوامر سموه عمل عقود عمل خاصة بخدم المنازل ومن هم في حكمهم وتحديد ساعات عمل لهم لضمان حقوقهم كما شملت أوامر سموه بتشكيل محكمه للقضايا العمالية تنظر في شكاوى العمال وسرعة البت فيها إضافة إلى تأسيس هيئة تفتيش عماليه تابعه لوزارة العمل تكون مهمتها التفتيش على مواقع العمل ومساكن العمال لضمان تطبيق القوانين والقواعد الإنسانية المعمول بها في الدولة.
إذن نحن أمام التفاتة إنسانية كريمة من لدن القائد صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي (حفظه الله).. الإنسان الذي يتحسس كل صغيرة وكبيرة على المستوى المحلي والقومي، هو القائد الذي لا يترك شيء يمر دون معالجة فورية ملائمة لها بعد أن يتناولها بالتدقيق والتمحيص. هذه المبادرة التي تجلت على شكل أوامر وقرارات أملاها سموه على وزير العمل لمسايرة المبادئ والقرارات الدولية الخاصة بالعمالة وحقوق الإنسان.
في كثير من دول العالم تجد العمال مظلومين وحقوقهم مغبونة رغم أنهم من أبناء ذلك البلد وهم في سبيل ذلك ينتمون إلى جمعيات ونقابات للدفاع عن حقوقهم ويتوجب عليهم الصبر والنضال لمدة طويلة بغية الحصول على جزء بسيط من حقوقهم. وفي المقابل نجد حكومات تلك الدول التي يعملون فيها غير مهتمين أصلا بما يطالب به عمالهم بل لم يراجعوا حتى أوضاعهم الصحية والاجتماعية والإنسانية.
غير ان القيادة الحكيمة في دولة الإمارات العربية المتحدة ومنذ البداية كانت لها الرؤية الصحيحة والخاصة بمتابعة مشاكل العمال والعمل بجدية على حلها بالطرق الصحيحة بل هي تحاول تصحيح أوضاعهم باستمرار ذلك إن العمالة تشكل العصب الاقتصادي المهم في الدولة وان إهمالهم أو إهمال أوضاعهم قد يؤثر تأثيرا كبيرا على حركة النمو الاقتصادي للدولة هذا من جهة ومن جهة أخرى فأن دولة الإمارات العربية المتحدة هي دولة عربية إسلامية ولها نظرتها الإنسانية قبل العمالة سواء كانوا من أهل البلد أم من الوافدين وهي نظرة واحدة لا تتغير.
غير ان إيقاع الحياة المتسارع جعل في الفترة الأخيرة بعض ذوي النفوس الضعيفة يستغلون الثغرات القانونية الموجودة في قانون العمل والقوانين الأخرى التي تجعل من العامل في موقف الضعيف في مقابل عدم وجود إجراءات رادعة بحق الشركات وأرباب العمل ممن تلاعب بحقوق العمال وخصوصا العمالة البسيطة والتي نقصد بها عمالة البناء وغيرهم من المهن التي تعتمد على القوه الجسدية والذين هم محدودو الفهم والعلمية فهؤلاء وغيرهم يشكلون نسبة كبيرة من العمالة في الدولة.
وهناك حالات متكررة بدأت تطفو على ساحات العمل ذات فقاعات سلبية وباستغلال سلبي من قبل بعض أرباب العمل والشركات من ذوي النفوس الضعيفة وقد أشرنا إلى هذه الحالات في مقالات سابقة كما أشار إليها كُتاب آخرون وسلطت الصحافة الضوء عليها إلا أن، لا أرباب العمل استجابوا للنداءات ولا وزارة العمل تحركت لفعل شيء وكأنما الذي يُكتب في الصحافة لا يهمهم.
غير ان القائد صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم تدخل شخصيا في الموضوع لغرض تصحيح أوضاع العمالة الوافدة في الدولة بما تصب أوامر سموه في النهاية في المصلحة العامة للدولة وضمان حقوق العمالة وتوفير كل سبل العيش الكريم لهم.
إذن نحن أمام أوامر القائد التي جاءت بشمولية واسعة للقضايا العمالية وكيفية معالجتها وأعطى سموه الخطوط العريضة لوزارة العمل والأجهزة الأخرى للعمل على هدى هذه الأوامر التي يجب تجسيدها بعناية فائقة لنصل إلى الأهداف التي يرجوها القائد والدولة والعمال.
والأمر الأول الذي يجب الاهتمام به هو اتخاذ إجراءات ملزمة في شأن تنظيم شؤون العمالة الوافدة وتوفير كافة مقومات وشروط معايير الصحة والسلامة لهم والعيش الكريم سواء في السكن والعمل، فيكون أمام وزارة العمل مسؤولية تنفيذ أوامر القائد من خلال صياغة إجراءات محكمه تنظم شؤون العمل والعمال، ونحتاج هنا إلى وقفة مع وزارة العمل ونقول لها ليس العبرة في وضع إجراءات على عجالة لإظهار اهتمامكم وتقديركم لأوامر صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم انطلاقا من مركزية الأوامر من الرئيس إلى المرؤوس.
ولكن العبرة في جودة تلك الإجراءات والتي يجب مراجعة الإجراءات القديمة ووضع اليد على الخلل الذي أدى إلى حدوث هذه الثغرات، بل يجب مراعاة كافة الجوانب التي تخص جانب مصلحة الدولة والعامل معا ومن ثم يتم صياغة الإجراءات على هذا الأساس مع الأخذ بنظر الاعتبار ان تكون هذه الإجراءات بعيدة المدى ومتوازنة مع المقررات والمواثيق الدولية في هذا الشأن.
كما يجب دراسة موضوع الرواتب وتأخرها والإجراءات الواجب اتخاذها وهل نكتفي بالسماح للعامل بترك العمل واللجوء إلى عمل آخر دون قيد أو شرط أم هناك جزاء سوف يفرض أيضا على صاحب العمل الذي تأخر في سداد رواتب عماله أم سيترك سدى كما يحصل الآن ليتمادى صاحب العمل أكثر من ذلك وبالتالي تكون القرارات والإجراءات والعدم سواء. ذلك ان ترك العامل لعمله على أساس تأخر راتبه لمدة شهرين قد لا يجد ذلك العامل عملا آخر ومن ثم من أين يعيش ومن أين يدفع إيجار مسكنه؟.
لذا يتوجب على وزارة العمل استشارة أهل الخبرة في مجال القانون ليضيفوا لهم شيئاً من الفهم الواسع لموضوع العمالة وخصوصا فيما يخص احكام المادة 121 من قانون العمل النافذ والمواد الأخرى التي ستتعرض إلى التغيير أو التجميد في ضوء الأوامر الأخيرة. كما وإنني بصفتي كاتبا وقانونيا إماراتيا سبق وأشرت في مقالاتي السابقة على وزارة العمل ان تعمل على تغيير قانون العمل بالكامل لما فيه من ثغرات كبيرة هي في حقيقتها ليست في مصلحة العامل وكذلك هي ليست في مصلحة الدولة.
ومن ناحية ثانية تناولت أوامر صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي بتشكيل محكمة للقضايا العمالية تنظر في شكاوى العمال وسرعة البت فيها. وقد تكون ردة فعل وزارة العدل سريعة على اعتبار بأن لها دوائر عمالية في محاكم الدولة تنظر في قضايا العمال وهم فقط سوف يقومون بتسريع حسم القضايا العمالية. ونحن بدورنا نقول إن من ضمن الرؤى والمفهوم العام لأوامر القائد عندما اصدر قراراته هو عالم بأن هناك دوائر عمالية مشكلة في المحاكم، ولكن نعتقد أن القرار فيه شمولية أكبر مما تتوقعه وزارة العدل في هذا الخصوص.
ونعود هنا إلى مسألة وضع الإجراءات المناسبة لتنفيذ أوامر القائد بجدية وبعيدا عن العجالة والتظاهر بالتنفيذ حتى لا تظهر السلبيات تلو الأخرى بعد حين، ونعود مرة أخرى ونقول كما ذكرنا في مقالاتنا السابقة ومضمونها انه لو كانت الدوائر العمالية في المحاكم المنتشرة بالدولة مؤثرة وتعطي الحقوق للعامل لما ظهرت مشكلة على السطح أساسا وما كان للقائد أن يتطرق لها.
إذن نحن نرى أن تقوم وزارة العدل بإلغاء الدوائر العمالية في محاكمها نهائيا مع إلغاء القوانين الإجرائية التي تسير عليها تلك الدوائر والتي أكل وشرب الدهر عليها وما عادت تؤثر بل أصبحت عائقا أمام العدالة. وإذا أرادت وزارتا العدل والعمل الاستزادة، فإن هناك رجال قانون من المواطنين مؤهلون تأهيلا جيدا يمكنهم مشاركة وزارتي العدل والعمل في وضع الإجراءات والطرق الصحيحة في تشكيل هذه المحاكم.
ونحن نحرص أن يكون تشكيل هذه المحاكم من حيث الفكرة والتكوين والموضوع ذات طابع إماراتي صرف، وقد آن الأوان لاستبعاد الاستيراد القانوني وفكره من الخارج والاعتماد على الكفاءات العلمية لمواطني الدولة والذين وصلوا إلى مرحلة تؤهلهم للمشاركة في التشريع بمختلف أنواعه وألوانه.
كاتب إماراتي
rashid.shabib@binshabib.ae