إصدار صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء أمر تخصيص أحد إسطبلات خيول جودولفين من أجل ذوي الاحتياجات الخاصة، وتوفير كل متطلباتهم لممارسة رياضة الفروسية في بيئة محمية تتناسب مع قدراتهم الجسدية، مسبوقا بمبادرات سمو الشيخ حمدان بن محمد لإنشاء برنامج «تكامل» لتنمية وتمكين المعاقين.
وحث هيئة الطرق والمواصلات على الأخذ في اعتبارها احتياجات المعاقين عند تصميم وتنفيذ الطرق، كل هذا يعكس لنا مدى اهتمام قيادتنا الرشيدة بشرائح المجتمع المختلفة، وبالتقدم والتغير في مفاهيم الإعاقة التي تتبناها هذه القيادة.
تلك المفاهيم الإيجابية والشمولية القائمة على مبدأ تمكين وتنمية المعاق، وليس الشفقة والإحسان عليه، والتي على المدى الطويل قد تحول الخوف السابق من الإعاقة واعتبارها نقمة وعبئاً يثقل كاهل الأسرة والمجتمع، إلى جعلها تبدو وكأنها شبه نعمة.
إن الإعاقة لا تتمثل في عجز جزء من أجزاء الجسد وإعاقته لصاحبه من القيام بدوره المتوقع منه مجتمعيا، ولكنها أيضا تتمثل في الإعاقة المجتمعية، والتي أعتقد انها الأخطر والأكثر تأثيرا في حياة المعاق، وهي تلك المتمثلة في نظرة المجتمع السلبية للمعاق والناتج عنها عزلته ومعاملته على أنه فائض، وفائض غير مرغوب فيه أحيانا.
فإذا بقيت المجتمعات محتفظة برؤيتها القديمة للإعاقة ومعاملتها على أنها نقمة، وإن المعاق عبئا وعالة على أسرته ومجتمعه، ستظل في الغالب نظرة الشفقة هي السمة الطاغية على علاقة الناس بفئة ذوي الاحتياجات الخاصة، وستظل هذه الفئة تعاني من الحدود والتحديات المجتمعية التي لن تعيقها فقط من تحقيق طموحاتها، ولكنها أيضا ستمنعها من ممارسة حياتها الطبيعية كباقي الأسوياء الذين يشاركونهم هذه الحياة.
كذلك، إذا ظلت المجتمعات أسيرة لنظرتها المحدودة والسلبية للمعاق، فإنها ستجعل المعاق مهموما ومسكونا بكيفية تكسير هذه النظرة والحدود المجتمعية التي تفرضها عليه، بدلا من تركيزه على تدريب وتطوير نفسه وممارسة حياته بفاعلية وإيجابية تصب لخدمة مجتمعه مثلما تصب في تطويره، تماما مثل أخيه السوي.
إن اللفتة الإنسانية من صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد، والمبادرات الإيجابية من سمو الشيخ حمدان، في مشروعيهما الراميين للاهتمام بدعم المعاق وبدمجه ليست إلا لبنات اساسية لتغيير وتطوير النظرة المجتعية للمعاق ولمفهوم الإعاقة. أي أن ما ترمي إليه هذه البرامج يصب في النظر إلى أن الشخص المعاق ليس هو ذلك المعاق جسديا.
ولكنه ذاك الذي يعيقه المجتمع من الاندماج فيه ولا يعامله المعاملة الإنسانية أو الكريمة التي يستحقها. بمعنى آخر إن التداخل بين العوامل الفردية للمعاق، والمتمثلة في العجز الجسدي، بالإضافة إلى ضعف الدوافع وضعف الثقة بالنفس، والعناصر البيئية المجتمعية المتمثلة قي التمييز ضد المعاقين وفي النظرة المجتمعية السلبية للمعاق، هي في الحقيقة ما يشكل ويصيغ تجربة الإعاقة.
علاوة على ذلك، إن الشعور بالشفقة على المعاق والرغبة في الإحسان إليه، قد يكون لهما مردود سلبي، ولا يعملان بأي شكل من الأشكال على مساعدة وتمكين المعاق في تحدي مشكلته، بل أنهما في الحقيقة قد يعملان على إدامة وتعزيز الإحساس بالنقص والضعف، وعلى إبقاء المعاق كضحية خاضع لسيطرة الآخرين. لذا فانه من الضروري جدا التنازل والتخلي عن هذه النظرة التقليدية والعقيمة، وتبني نظرية تمكين وتنمية المعاق لأنها في النهاية، وكما أثبتت معظم الدراسات الأكاديمية المتعلقة بهذا الموضوع، هي النظرة الوحيدة التي سوف تساعد المعاق على امتلاك القدرة في التحكم في حياته مثلما تعزز شعوره بالحرية والقوة والمساواة.
من جانب آخر، اتجهت الكثير من المؤسسات، وفي كثير من الدول، إلى التركيز على النواحي الطبية والتقنية للتأهيل، وركزت بشكل خاص على مفهوم تأهيل المعاق في بيئته، أي مكان معيشته، وأغفلت كليا أهمية مفهومي التنمية والتمكين. بلإضافة إلى ذلك، نجد أن الكثير من العاملين في هذا المجال، ومن بينهم اولئك الذين يعتبرون من المنفتحين فكريا والمتطورين في نظرتهم للمعاق، يميلون إلى ضم المعاق لفئة المحتاجين «للرعاية الاجتماعية» والذي هو، وأقصد هنا مفهوم الرعاية الاجتماعية، ليس إلا المرادف الجديد لفكرة «الإحسان».
وجدير بالذكر هنا أن النمط الطبي الفردي للتأهيل، والذي يعامل المعاق كمريض بحاجة للشفاء وللرعاية في داخل المؤسسة أو ضمن المجتمع، هو الذي يساعد على خلق تبعية واتكالية وعلاقات رعاية وحماية للفرد المتعرض للإعاقة، ولا يساعده على الاستقلال أو التحرر. وبالرغم من الجدل العلمي والأكاديمي الدائر حول هذا النمط وسلبياته على المعاق، إلا أنه مازالت الكثير من المؤسسات تعمل به وتعتبره الأفضل، مقارنة بما يسمى «النمط الاجتماعي» والداعي إلي تمكين المعاق وإعطاءه الحق في اتخاذ القرار والمشاركة المجتمعية الإيجابية. فضلا عن ذلك.
مازال صانعي القرار في مؤسسات التنمية المعنية بفئة المعاقين هم من القادرين والأصحاء، والذين لم يختبروا قط تجربة الإعاقة، ولم يسبق لهم إن اكتشفوا الاحتمالات أو الطاقات التي يستطيع المعاقون أن يسخروها لخدمة أنفسهم ومجتمعهم، ومازال هؤلاء محكومين بفكرة الإحسان وبالنمط الطبي التقليدي السائد.
وبناء عليه، نجد أن معظم البرامج والمشاريع التي يصممها متخذو القرار هؤلاء، تعمل على التعامل مع المعاقين كعاجزين ومتلقين للخدمات، وليس كأفراد مشاركين وفاعلين. غير أن الاستثناءات أيضا موجودة، حتى في مجتمعنا، ومنها تلك المتمثلة في التجربة الإنسانية الرائعة التي تخوضها الشيخة جميلة بنت محمد القاسمي منذ سنوات وتعمل من خلالها على إكساب الشخص المعاق المكانة الإنسانية والمجتمعية التي يستحقها والتي تكفل له صون حقوقه.
لذا، يجب على العاملين في مجال الإعاقة أن يستثمروا بشكل إيجابي توجهات القيادة في هذا المجال وأن يختبروا هذه الرؤية الإيجابية ويطبقوها في مؤسساتهم، وأن يعطوا المعاق فرصة التحرر من إعاقته والنماء بشكل معافى وصحيح، بشكل يساعده على تحدي أصعب الظروف وأقساها وإحداث التغيير الحقيقي في حياته. ولا ننسى أن نذكر في آخر المطاف أن تحديد من هو المعاق أمر ليس بالسهل، فكلنا لدينا قدرات مختلفة، وقد يكون الواحد منا، بناء على المفاهيم التقليدية، سليم ومعافى جسديا وعقليا بشكل كلي، ولكنه معاق نفسيا أو اجتماعيا أو عاطفيا. إن الكمال نادر إلى حد أنه هو الاستثناء.
جامعة الامارات
albaharm@yahoo.com