من الصعوبة تغيير مبادئ وقناعات البيت الأبيض تجاه إسرائيل، حيث ظلت تميمة سياستها وعنوان منطلقها الروحي، وقد كنا نتمنى الحفاظ على بعض ماء الوجه خدمة لها من الغضب العربي والإسلامي وتنامي العداء بين الطرفين، لكنها طبيعة النظام الذي سارت عليه القوة العظمى بعقدة حب إسرائيل الذي يُعدُّ نمطاً غير مألوف بالعشق السياسي، وإلا بماذا نفسر اتخاذ (الفيتو) في مجلس الأمن ضد مجزرة أفزعت العالم، وهل ما تأسست عليه السياسة الأميركية حيث كان المؤسسون العظام هم من ينادي بتقرير المصير وحفظ حقوق الشعوب وحرياتها، تحول إلى ذكريات تاريخية مسخها الزواج الكاثوليكي بين أميركا وإسرائيل الذي لا طلاق فيه؟..
كنا نتمنى والنزيف العربي في العراق وفلسطين أن يستيقظ الضمير عند قادة البيت الأبيض بدعوى أن ما جرى من أخطاء عسكرية يمكن مداواته بالحكمة والعقل، لكن ذلك لن يتحقق طالما ظلت الموازين غير متساوية الكفة بتفضيل الجزار على الضحية البشرية، ومعلوم أن القواعد التي تستدعي تبديل الحكم بآخر، وحتى البرلمان ومجلس الشيوخ، لا تستطيع الفصل بين نظام وآخر تجاه إسرائيل، لأن الأمور تبقى كعقيدة ثابتة لا مجال لإزاحتها أو حتى تخفيف جنونها..
المجلس الوزاري العربي المنعقد بالقاهرة ليس لديه ما يواجه به أميركا، لأن الحصيلة رفض مطلق فيما يتعلق بسلوك إسرائيل، وتبقى المواجهة مع الواقع العربي والفلسطيني اللذين يعيشان حصاراً غير مسبوق تحالف عليه الخلاف الداخلي والضغط الخارجي، وحتى يسجل العرب موقفاً أكثر فاعلية، فعليهم القيام بدعم الاقتصاد الفلسطيني والتسريع بإرسال المعونات الغذائية والدوائية وإعمار ما هدمته إسرائيل، لأن فصل الشتاء ضغط آخر على الذين تعرضوا للقتل والتشريد..
يبقى أمر تسوية الخلافات بين الفلسطينيين، وهو ما نعرف مدى صعوبته وتعقيداته، لكننا كأمة عربية نستطيع تقريب المسافات المتباعدة بين الخلافات يساعد على ذلك نضج القيادة سواء كانت حماس بطروحاتها المخالفة لفتح، أو فتح التي لديها رصيد التجربة والموقعة على بنود إلزامية لا تستطيع الخروج عنها، لكن الأهم من كل ذلك إنقاذ الشعب الفلسطيني، وخاصة أطفاله وشيوخه، والآخرين الذين وضعتهم إسرائيل في جبهة المعركة دون إهمال للسجناء الذين يعيشون مهانة الاعتقال، وظروف من يعولونهم..
بمعنى أدق الواجب المبدئي يجب تفضيله على أي جانب آخر، والمسؤولية لا تعفي أي دولة عربية، لأننا شركاء مصير ومن يرى غير ذلك فإنه يتحمل وزر خطئه التاريخي..