الأربعاء الماضي أعلنت اللجنة المركزية للانتخابات النتائج الأولية بفوز زعيم جبهة التحرير الوطني الساندينية دانييل أورتيجا من الدورة الأولى. وسيصبح ابتداء من 10 يناير القادم رئيسا لنيكاراغوا للأربع سنوات المقبلة. وهكذا عاد أورتيجا للرئاسة مجددا بعد 16 عاما.

انتصرت الثورة الساندينية على نظام الدكتاتور أناستيسيو سموزا في نفس العام 1979 الذي انتصرت فيه الثورة الإيرانية. وترأس أورتيجا حكومة إعادة البناء الوطني التي بدأت منذ عام 1980 بمساعدة من الاتحاد السوفييتي وكوبا لبناء الاشتراكية في نيكاراغوا. وفي نوفمبر 1984 انتخب أورتيجا رئيسا للبلاد. وقد عملت الولايات المتحدة في السر والعلن على دعم جماعات الثورة المضادة النيكاراغوية «الكونتراس» بهدف إسقاط النظام السانديني.

ولعلكم تذكرون صفقة السلاح الشهيرة التي رتبها في عهد الرئيس ريغان (عام 1985) الدبلوماسي الأميركي ماكفارلن لمحاربة الثورة النيكاراغوية بأموال الثورة الإيرانية. فبالضد من القانون الأميركي الذي يحرم التعامل مع إيران أبرمت أميركا صفقة سرية لتزويدها بالأسلحة على أن تستخدم أموالها في صفقة أسلحة سرية أخرى لصالح جماعات «الكونتراس».

وقد ساهم بحرينيون مقيمون في طهران آنذاك بتسريب بعض تفاصيل هذه الصفقة التي أخذت طريقها إلى الصحافة العربية ثم العالمية لتفجر واحدة من أكبر الفضائح الأميركية عرفت باسم «إيران غيت»، والتي سحبت ذيولها على الرئيس بوش الأب.

كانت الأعمال التخريبية للثورة المضادة من أهم أسباب عرقلة الخطط الاقتصادية والبرامج الاجتماعية الطموحة التي اضطرت الحكومة الساندينية للتراجع عنها، خصوصا بعد توقف المساعدات السوفييتية.

وبدأت الحكومة الساندينية منذ بداية 1989 تتجه للبحث عن طرق لوقف الحرب الأهلية وإجراء عدد من الإصلاحات الديمقراطية، وحددت شهر فبراير 1990 موعدا لإجراء انتخابات رئاسية في البلاد. وقد خسر أورتيجا هذه الانتخابات أمام تحالف أحزاب «اتحاد المعارضة الوطنية» اليمينية بقيادة فيوليتي تشامورو. وبكل هدوء تقبل الساندينيون الهزيمة.

وبذلك نالوا شرفا رفيعا لدى الأمة أنهم لم يلجأوا إلى السلاح لاستعادة السلطة وسلموا «بقضاء» صندوق الانتخابات. لكن الساندينيين ظلوا يمارسون نفوذهم «من الأسفل» محتفظين بتأثير كبير في المجتمع المدني والبلديات. وعاد أورتيجا للترشح في الانتخابات الرئاسية عام 1996 ثم عام 2002 لكنه خسر في المرتين أمام مرشح تحالف قوى اليمين.

مع ذلك ظلت جبهة التحرير الوطني الساندينية تهيئ نفسها للانتصار القادم. في هذه الانتخابات تنافس خمسة مرشحين. وبينت الانتخابات الفرعية أن التنافس كان على أشده بين ثلاثة: زعيم الجبهة الساندينية أورتيجا، مرشح الحزب الليبرالي الدستوري الحاكم خوسيه ريسو كاستيلان وممثل المحافظين أليجري.

وفي حملته الانتخابية قال عن نفسه بنفسه «أن الكومندانت أورتيجا ببندقيته المحمولة على كتفه لم يعد موجودا». ووعد بأنه في حال فوزه سيحافظ على الحريات الاقتصادية ويطور النشاط الاقتصادي الخاص. وطمأن رجال الأعمال بأنه لن يقوم بقفزات حادة في الاقتصاد وسيتجنب عمليات التأميم الشامل. وأنه سيركز على جذب الاستثمارات الأجنبية لتحريك الاقتصاد النيكاراغوي لكي يخرج من دائرة الفقر أولئك الثمانين بالمئة من الشعب الذين يعيش الواحد منهم على دولارين أو أقل في اليوم.

وأهم إشارة على التغيير الجذري في نهجه هو أنه دعا جيمي موارليس، الذي كان أحد قادة «الكونتراس» السابقين ليصبح نائبا له بعد فوزه بالرئاسة ،استنفرت الولايات المتحدة كل ما تستطيع لترجيح كفة المرشح اليميني مونتي أليجري الذي كان يجوب مناطق البلاد المختلفة برفقة السفير الأميركي واعدا الجماهير بأنه لن يسمح بوصول الساندينيين إلى الحكم من جديد.

وأخذ المسؤولون الأميركيون يهددون، وأتباعهم في العاصمة ماناغوا يرددون، أن أية مساعدات أو أية أوجه تعاون أخرى ستقطع عن هذه البلاد في حال فوز جبهة التحرير الوطني في الانتخابات الرئاسية. وحذرت الحكومة الأميركية مواطنيها من السفر إلى نيكاراغوا خوفا من قيام الساندينيين «بأعمال إرهابية». وبادرت اللجنة الدائمة لحقوق الإنسان في نيكاراغوا باتهام أورتيجا بارتكاب جرائم الإبادة الجماعية وجرائم ضد الإنسانية.

لكن كل ذلك جاء بنتيجة عكسية إذ أثار سخط الناخبين أكثر واستثار حميتهم للانتصار لأورتيجا. فاز أورتيجا من الجولة الأولى بفضل قانون الانتخابات النيكاراغوي غير الاعتيادي. ففي هذه البلاد يعتبر المرشح فائزا منذ الدورة الأولى بعد حصوله على 40% من أصوات الناخبين، أو حتى ما يزيد على 35% فقط شريطة أن يبلغ الفارق بينه وبين أقرب منافس له 5%.

وبنتيجة فرز قرابة 92% من الأصوات حصد أورتيجا أكثر من 38% منها. بينما تخلف زعيم التحالف الوطني الليبرالي إدواردو مونتي أليجري عنه بفارق 10%. وقد اعترف الأخير بهزيمته بالرغم من حديثه السابق عن حتمية جولة ثانية للانتخابات.

جرت الانتخابات في نيكاراغوا في مناخ جيد وهادئ كما صرح بذلك كل من الرؤساء السابقين الأميركي جيمي كارتر، البيرواني أليخاندرو توليدو والبنمي نيكولاس بيرليتتا الذين حضروا الانتخابات كمراقبين إلى جانب أكثر من 1400 أجنبي و17 ألف محلي.

وفي إشادته بالمستوى الراقي لتنظيم الانتخابات واستعداد الأجهزة الانتخابية المسبق لها، قال جيمي كارتر أن ذلك يدل على توطيد المبادئ الديمقراطية والسلم الداخلي في البلاد». وبعد أن أصبح واضحا بأن أورتيجا هو الرئيس القادم بدأت الولايات المتحدة تخفف من حدة أقوالها.

وزير التجارة الأميركي كارلوس جونييريس صرح بأن الولايات المتحدة تأمل في عمل مثمر مع الرئيس الجديد، وأن التجارة بين البلدين ستحمل الرخاء لكليهما».

يرى كثير من المراقبين أن أورتيجا سيراجع أخطاء إدارته الاشتراكية والنظام الليبرالي الذي تكرس بعده. وسينتهج طريقا وسطا بين سياسة البلدان الوطنية المعتدلة (الأرجنتين، البرازيل والأوروغواي) والنظم الوطنية «الراديكالية» (فنزويلا، بوليفيا ). في هذه الحالة سيجد نظامه الدعم من قبل بلدان «الحزام الأحمر» الشقيقة، والبلدان المعتدلة القوية ذات العلاقات المتينة مع الغرب.

عموما، ساد المنطقة جو من الارتياح لعودة أورتيجا إلى سدة الرئاسة في نيكاراغوا. وقد عبر عن ذلك زعماء كثيرون. أما زعيم استدارة أميركا اللاتينية نحو اليسار هوغو تشافيز فقد عبر عن فرحته بطريقته الخاصة: أميركا اللاتينية تغادر بلا رجعة مكانها كفناء خلفي للإمبراطورية الأميركية الشمالية، يانكي.. عد إلى بيتك !» - نقلت الوكالات عن تشافيز.

انتخب اليسار.. أصبح الشعار السائد في الواحدة تلو الأخرى من بلدان القارة من أجل توجهها الجماعي نحو الحرية والتقدم الاجتماعي.

كاتب بحريني

ajnoaimi@gma