احتفلت قناة «الجزيرة» الفضائية على مدى الأسبوع الماضي بمرور عشر سنوات على انطلاقتها في سماء الإعلام العربي كأول قناة فضائية تلفزيونية عربية متخصصة في مجال الأخبار والبرامج السياسية.

قناة «الجزيرة» التي بدأت فكرةً في الثامن من فبراير عام 1996 لينطلق بثها في الفاتح من نوفمبر من العام نفسه شكلت منعطفا مهما في تاريخ الإعلام العربي بشكل عام، والتلفزيوني منه بشكل خاص، وأصبحت علامة بارزة في مسيرة الإعلام العربي مع كل ما أثارته من جدل حولها.

وإذا كانت عشر سنوات لا تمثل في نظر البعض مناسبة مهمة تحتفل بها وسيلة إعلامية لكونها فترة زمنية غير كافية للحكم على أدائها، وفي ظل وجود وسائل إعلام عربية وأجنبية عريقة تجاوز تاريخها اليوبيل الأول والثاني وربما الثالث، فإن هذه السنوات العشر بالنسبة لقناة مثل «الجزيرة» بكل ما أحدثته من ثورة في مفهوم الإعلام العربي لا شك تستحق الاهتمام والاحتفال بغض النظر عن رأينا في أدائها ومدى اتفاقنا أو اختلافنا مع خطها.

ولعله من باب الإنصاف ألا نغفل تجربة مهمة سبقت تجربة «الجزيرة» لكنها وئدت في المهد لأسباب سياسية، تلك هي تجربة قناة «بي. بي. سي» العربية التي بدأت بثها عام 1994 واستمرت عامين حيث توقفت عام 1996 بسبب خلافات حول السياسة التحريرية مع الشريك التجاري الذي كان وقتها شبكة «اوربت» السعودية.

وربما كان هذا هو ما دعا البعض إلى القول إن قناة «الجزيرة» قد قامت على أنقاض «بي. بي. سي» العربية رغم نفي محمد جاسم العلي أول مدير لقناة «الجزيرة» هذه المقولة، مؤكدا أن الفكرة ولدت قبل وأد «بي. بي. سي» في لندن، لكن ما حدث هو أن تصادف وخلال فترة التحضير للجزيرة أن أُغلِقت قناة «بي. بي. سي» وأصبح الكثير من كوادرها بلا وظائف فقامت «الجزيرة» باستقطاب المميزين منهم الذين لم يتجاوز عددهم الثلاثين صحافيا وفنيا.

وأيا كان الأمر؛ هل قامت «الجزيرة» على أنقاض «بي. بي. سي» العربية أم كانت فكرة مستقلة أراد أصحابها أن يحدثوا نقلة نوعية في الإعلام التلفزيوني العربي غير المتخصص وقتها، فإن الثورة التي قادتها «الجزيرة» في هذا المجال منذ انطلاقتها وخلال السنوات العشر الأولى التي أكملتها قبل أيام تُعَدُّ بكل المقاييس إنجازا بالنظر إلى عمرها الزمني القصير،

وكونها تبث من دولة خليجية في عالم عربي لا يؤمن بالرأي الآخر، خاصة إذا ما قورنت بمؤسسة عريقة مثل ال «بي. بي. سي» بكل ما تحمله من تاريخ بدأ عام 1927 ومازال مستمرا، وبكل ما تحتويه من قنوات إذاعية وتلفزيونية ومؤسسات إنتاج، وبكل ما تملكه من فضاءِ حريةٍ وليس هامشا

كما يتمنى أي إعلامي عربي في وطنه، وبكل ما تتمتع به من ثقة لدى جمهورها العريض عبر خبرة تمتد لكل هذه العقود من السنين. كما تميل كفة الميزان لصالح «الجزيرة» أيضا إذا ما قورنت بقناة «الحرة» التي بدأت بثها في الرابع عشر من شهر فبراير عام 2004 بتمويل من الحكومة الأميركية، ولم تحقق نجاحا يذكر حتى الآن رغم الإمكانات المتوفرة لها من خلال الميزانية التي رصدها لها الكونغرس الأميركي وبلغت 62 مليون دولار للسنة الأولى من البث فقط.

من عايش الإعلام التلفزيوني العربي قبل مرحلة «الجزيرة» عاملا فيه أو مراقبا أو مشاهدا عاديا حتى، يدرك دون شك النقلة التي أحدثها إطلاق قناة «الجزيرة» بكل ما تميزت به من جرأة في الطرح تحت الشعار الذي اختارته لنفسها «الرأي والرأي الآخر» ومن خلال تغطياتها الميدانية للأحداث.

وهو ما كان ينقص القنوات الأخرى قبل «الجزيرة» وكشفه الغزو العراقي لدولة الكويت عام 1990 عندما لم تجد القنوات التلفزيونية العربية أمامها سوى محطة «سي. إن. إن» الأميركية التي كانت تبث أحداث الحرب على الهواء مباشرة كي تنضم إليها في بث متواصل لمتابعة الأحداث لحظة بلحظة.

هذا النقص الذي جاءت «الجزيرة» لسده دفع مستثمرين آخرين وقنواتٍ حكومية أخرى إلى محاولة تقليد «الجزيرة» أو السير على نهجها. نجح بعضها في إثبات وجوده، وأخفق بعضها الآخر أو انتكس بعد فترة انتعاش لم تدم طويلا، وظلت «الجزيرة» محافظة على توهجها والزخم الذي بدأت به، لتتحول في السنوات الأخيرة إلى شبكة إعلامية ضخمة تضم باقة من المؤسسات الإعلامية المرئية والمقروءة باللغتين العربية والإنجليزية ،

بالإضافة إلى قنوات رياضية وأخرى وثائقية، إلى جانب مؤسسات تدريبية وأخرى بحثية على مستوى دولي، فإلى جانب القناة العربية الأم هناك قناة الجزيرة الدولية الناطقة باللغة الإنجليزية التي يُتوقع أن ترى النور قريبا، والجزيرة الرياضية، والقناة الوثائقية، والجزيرة مباشر، وقناة الأطفال، والجزيرة موبايل، والجزيرة نت، ومركز الجزيرة للتدريب والتطوير، ومركز الجزيرة للدراسات.

لا شك أن الجوانب الإيجابية التي تتمتع بها «الجزيرة» كثيرة، يستطيع أن يحصيها لنا محبو «الجزيرة» الكُثْرُ أيضا، لكن هناك جوانب سلبية نعتقد أن على المسؤولين عن «الجزيرة» البحث عنها وتلمسها بعد عشر سنوات من الانطلاقة. ولعل هذا ما حاول طاقمها فعله خلال البرامج الاحتفالية التي تابعناها وكان السؤال فيها مطروحا عن الجوانب التي لا تعجب مشاهديها،

وهو الأمر الذي يُحمَد للجزيرة ويُحسَب لصالحها. وقد أعفتنا «الجزيرة» نفسها من تقديم النموذج الذي نعتقد أنه بحاجة إلى مراجعة عندما قدمت حلقة مُجَمَّعة من برنامج «الاتجاه المعاكس» حوت مواقف ولقطات من حلقات بُثت على مدى السنوات السابقة من عمر القناة،

وكان القاسم المشترك بينها هو الصراخ والعراك الخارج عن إطار الحوار العقلاني وأصوله، مما يعكس صورة سيئة عن طبيعة الحوار بيننا نحن العرب، ويقدم نموذجا سيئا للأجيال الناشئة وهي ترى هذا الجيل الذي يدور بينه الحوار على هذا المستوى من التفكير وسوء الخلق.

الغريب أن هذه اللقطات الساخنة المختارة من حلقات ربما تابعناها ذات يوم بشغف عندما كانت تبث على الهواء وقتها لم تجد لدينا هذه المرة القبول ولا المتعة نفسها ونحن نعيد مشاهدتها. فهل يكون هذا مؤشرا على أن المزاج العربي قد تغير، وأننا بحاجة إلى حوار عقلاني يرتقي إلى مستوى الطرح والآمال، ويستشعر ما تردت إليه الأمة من سوء حال، بدلا من هذا الصراخ الذي يؤخر ولا يقدم، ويعود بنا إلى الوراء كثيرا؟

تُرى إلى أي مدى استطاعت «الجزيرة» أن تحافظ على رؤيتها ومهمتها عندما قدمت نفسها على أنها «خدمة إعلامية عربية الانتماء عالمية التوجه. شعارها الرأي والرأي الآخر. وهي منبر تعددي ينشد الحقيقة ويلتزم بالمبادئ المهنية في إطار مؤسسي»؟

هذا هو السؤال الذي يجب أن تطرحه «الجزيرة» على نفسها في عيدها العاشر إذا أرادت أن تحافظ على تقدمها في ظل المنافسة التي تفرض نفسها عليها من قبل القنوات التي حاولت أن تحذو حذوها وتلك التي تستعد للعودة إلى الساحة كقناة «بي. بي. سي» العربية التي ستعود للانطلاق من جديد عام 2007، ولكي تحافظ على الزخم الذي بدأت به، ولكي تثبت أن ثورتها مازالت مستمرة، في عالمٍ عربيٍ ما زال بحاجة إلى ألف «جزيرة» توقظه من سباته، وتقيله من عثرته، وتجمعه على «رأي» واحد بعد أن ضل الطريق فلم يهتد إلى «الرأي الآخر».

كاتب إماراتي

aliobaid2000@hotmail.com