تنبأت سابقاً بفوز الديمقراطيين بالاغلبية في مجلسي النواب والشيوخ، وفي عزل وزير الدفاع السيد رونالد رمسفيلد. ولقد جاءت الانتخابات التي تمت يوم الثلاثاء الماضي الموافق 7-11-2006 لتؤكد صحة تلك التوقعات. وعلى الرغم من أن القضايا الداخلية تطغى عادة على الانتخابات النصف دورية،
وهي الانتخابات التي تتم في منتصف الدورة الرئاسية، إلا أن هذه الانتخابات طغت عليها القضايا الخارجية، وبالاخص قضية الحرب في العراق، وعدم وجود خطة لدى الحزب الجمهوري الحاكم ولا لدى رئيسه أو وزير دفاعه لكسب تلك الحرب أو الخروج منها دون هزيمة.
وبناء على استطلاعات رأي الناخبين، وهي استطلاعات تجرى عادة من خلال توجيه أسئلة محددة للخارجين من قاعات الانتخابات، قال حوالي ثلثي الناخبين ان الحرب في العراق كانت العامل الحاسم في تحديد هوية المرشح الذي منحوه صوتهم. إلى جانب ذلك، قال الناخبون، وبنسبة كبيرة جدا تجاوزت أحيانا الثمانين في المئة، انهم غير راضين عن إدارة بوش للحكم، وان ثقتهم في قدرة الحزب الديمقراطي على إدارة الحرب على الإرهاب والاقتصاد أكبر من ثقتهم بالحزب الجمهوري.
ولقد كان لهذه الاسباب وغيرها دور حاسم في فشل الحزب الجمهوري في الحفاظ على الأغلبية في مجلسي الكونجرس، وبالتالي الإسهام في فوز الحزب الديمقراطي في السيطرة على الكونجرس القادم، والذي يبدأ دورته العادية في الثالث من يناير عام 2007 القادم.
ومن الأسباب الأخرى التي ساهمت في هزيمة الحزب الجمهوري تدهور أوضاع الطبقة المتوسطة والفقيرة بالرغم من نجاح الاقتصاد الأميركي في تحقيق معدلات نمو جيدة، وفشل الكونجرس في أداء مهامه والتعامل مع العديد من القضايا الملحة كقضية المهاجرين غير الشرعيين، واتساع نطاق الفساد السياسي والأخلاقي بين أعضاء الحزب الحاكم إلى درجة جعلت الناس تتحدث عن «ثقافة الفساد» في واشنطن.
ولما كان أعضاء الكونجرس من الجمهوريين عامة، والرئيس بوش خاصة، قد عاملوا زملاءهم من الديمقراطيين وكأنهم لا وجود لهم، وقاموا بحرمانهم من المشاركة في عملية صنع القرار، فإن الناخب الأميركي لم يكن بإمكانه محاسبة الديمقراطيين على الأخطاء التي ارتكبت في عهد بوش، ولم يجد بدا من محاسبة الحمهوريين وحرمانهم من الفوز.
إذا كانت الأغلبية الجمهورية قد استحقت الهزيمة بامتياز، فإن الأقلية الديمقراطية لا تستحق الفوز. لكن، وكما يقول المثل العربي، مصائب قوم عند قوم فوائد. إن الناخب الأميركي، وقد ايقن مدى الفشل السياسي الذي يعانيه الحكم في ظل إدارة بوش، والفساد الذي حمله الجمهوريون إلى واشنطن، لم يجد لديه خيار آخر سوى سحب ثقته من الجمهوريين ومنحها للديمقراطيين.
ويعود السبب في عدم استحقاق الديموقراطيين الفوز الذي حصلوا عليه إلى وقوفهم إلى جانب العدوان على العراق في البداية، وإلى عدم طرح الأسئلة الصعبة المتعلقة بسير العمليات العسكرية والعملية السياسية على بوش واركان إدارته، وإلى عدم وجود خطة لديهم لتحقيق النصر في العراق أو الخروج منه دون هزيمة.
إن الهزيمة التي لحقت بالجمهوريين لم تشمل فقط الاعضاء المؤيدين لسياسة بوش في العراق، بل وأيضا العديد من الجمهوريين الذين صوتوا ضد الحرب ودأبوا على انتقاد سياسة رئيسهم والمطالبة باستقالة أو إقالة رامسفيلد. وهذا يعني أن الانتخابات كانت بمثابة إعادة طرح للثقة بالرئيس بوش وحزبه،
حيث قام الناخبون، وبأغلبية كبيرة، بسحب الثقة من الحزب الجمهوري ورئيسه. وهذا من شأنه أن يجعل مهمة الرئيس بوش في الحكم صعبة، ويضعف سلطته واحتمالات قيامه بمبادرات سياسية أو مغامرات عسكرية جديدة، ويحتم عليه أن يسعى لايجاد قواسم مشتركة مع الديمقراطيين، خاصة فيما يتعلق بإدارة الحرب في العراق وكيفية الخروج منها.
على الرغم من أن الانتخابات شملت انتخاب جميع أعضاء مجلس النواب وعددهم 435 عضوا، و33 عضوا من اعضاء مجلس الشيوخ البالغ عددهم 100، إلا أن الانتخابات لم تغير كثيرا في تركيبة الكونجرس وإن غيرت موازين القوى داخله. وفي الواقع دخل مجلس النواب 51 عضوا جديدا فقط، أي ان نسبة التغيير في هذا المجلس كانت أقل من 12%، بينما دخل مجلس الشيوخ 7 أعضاء جدد فقط، أي أن نسبة التغيير في هذا المجلس كانت 7% لا غير.
وهذا يعني أن أكثر من 88% من أعضاء المجلسين احتفظوا بمقاعدهم، حيث أعيد انتخابهم. وهذا يعني أن سياسة أميركا تجاه العديد من القضايا لن يطرأ عليها الكثير من التغير، وان التغيير الأهم سوف يقتصر على الموقف من الحرب على العراق وكيفية الخروج من الورطة العراقية التي وصفها الكاتب المحافظ جوج ول بأنها أكبر كارثة تصيب سياسة أميركا الخارجية في التاريخ.
على الرغم من صعوبة الوضع في العراق، وكون مجريات الحرب وتبعاتها هي أهم العوامل التي أدت إلى هزيمة الحزب الجمهوري الحاكم، إلا هناك احتمالا قويا أن يتوصل الحزبان الحاكم والمعارض إلى خطة مشتركة للتعامل مع المشكلة العراقية. ويعود السبب في ذلك إلى وجود لجنة بيكر-هاملتون التي شكلها الكونجرس قبل أشهر وطلب منها دراسة الوضع المتأزم في العراق والتقدم بتوصيات محددة للتعامل معه.
ولما كانت تلك اللجنة هي برئاسة جمهورية (بيكر) وديمقراطية (هاملتون) مشتركة، فإني أعتقد أن توصياتها ستشكل مخرجا للحزبين، خاصة وأن وزير الدفاع الجديد هو عضو في تلك اللجنة، وأنه قام بزيارة العراق مؤخرا ضمن الوفد الذي أرسلته اللجنة، وأنه سيساهم في صياغة توصياتها.
أكاديمي أميركي من أصل عربي