ما كان الإسرائيليون وقبلهم الفلسطينيون بحاجة إلى رؤية مزيد من الدماء حتى يدركوا ومعهم الجوار العربي والمجتمع الدولي بأسره بأنه مهما تفتقت عقول هؤلاء جميعا عن أفكار تحاول تسوية النزاع التاريخي العربي - الصهيوني، إلا أنها لن تتمكن أبدا من تغيير طبيعة هذا الصراع القائمة على عنصرين أساسيين، واحد يتمثل بمن يحتل والآخر بمن يرزح تحت الاحتلال وأن كل ما نشهده من أحداث بين هذين الطرفين، منذ عشرات السنين، لا يعكس سوى تعبيرات متباينة لكنها متواصلة عن أوجه الصراع المحتدم بضراوة والذي لن يرى حله النور حتما إلا بتصفية أحد الطرفين للآخر.
و بما أن الجميع يعلم علم اليقين أن موازين القوى هي التي تحدد،أولا وأخير وفي أي لحظة، طبيعة أي تسوية بين طرفين متنازعين أو أكثر، وأن على الطرف الأضعف في هذه المعادلة تقديم التنازلات اللازمة لمرور أو تمرير تسوية ما وأنه كلما اتسعت الهوة في تلك الموازين، زادت جرعة التنازلات المطلوبة إلى درجة تأتي أحيانا على كيان الطرف الضعيف وعلى ماهية وجوده على هذه البسيطة من أصلها.
والمؤسف في حالة الإسرائيليين والفلسطينيين هو أن الطرف الثاني لا يمثل حلقة ضعيفة فحسب وإنما حلقة ضعيفة بالمطلق وبصورة تدمي القلوب لا لعلة في الناس العاديين النازفة دماؤهم بلا هوادة كل يوم منذ سنين طويلة ولكن بسبب ظروف بات يعرفها القاصي والداني تتعلق أساسا بمؤامرة حيكت بمكر شديد من قبل الحركة الصهيونية العالمية بالتعاون مع قوى دولية مسيطرة وتواطؤ أطراف عربية خائنة.
و بالتالي، فإنه لا يبقى أمام الفلسطينيين إلا الصبر والتصبر وإعداد الظروف الملائمة للنهوض بحركة مقاومة متجددة قادرة على ضرب الاحتلال وزعزعة كيانه وشل حركته بصورة تنقلب معها موازين القوى آنفة الذكر لصالح الفلسطينيين ولو قليلا تمكنهم من فرض بعض من شروطهم، التي هي أساس وجودهم وحياتهم.
أما كل ما جرى وما يجري منذ مؤتمر مدريد عام 1992 من محاولات تسووية للخروج بهذا النزاع التاريخي إلى بر أمان، فإنها لا تعكس أو لا تعبر سوى عن رغبة من يرجح ميزان القوى لصالحه في ترسيم هيمنتهم المطلقة على الشعب الفلسطيني وأشقائه من الشعوب العربية الأخرى ومحاولة إدامة الوضع الراهن أطول فترة زمنية ممكنة لأن الكيان الصهيوني وحلفاءه يدركون جيدا أن مسألة بقاء هذا الكيان في الوجود مرتبطة بصورة كلية بقدرتهم على فرضه بحق القوة وليس قوة الحق على المنطقة.
وبالتالي، فإنه لابد من اعتبار كل ما عقد من اتفاقات وتفاهمات في ميدان تسوية الصراع العربي - الصهيوني لاغية وباطلة ولا تخدم الشعوب العربية، بل تجعلها مطية للمحتل ومن يقف وراءه يستفيد منها وفق مشيئته وكما يحلو له.
هذا يتطلب أولا وقبل كل شيء حلا ما يطلق عليه السلطة الوطنية الفلسطينية بكل مؤسساتها وأجهزتها الواهية والعودة بالوضع الفلسطيني إلى ما قبل دخول م.ت.ف إلى الضفة الغربية وقطاع غزة، مع العلم أن جل ما هو مطلوب منها لا يخرج عن إطار ما تقدمه البلديات القائمة أصلا، منذ أن وطأت قدم الجندي الإسرائيلي الأرض المحتلة، من خدمات للمواطن الفلسطيني القابع هو وأعضاء مجالسه البلدية وسلطته الوطنية تحت احتلال فريد من نوعه، لا سيما وأن مسوغات وجوده وأصحابه قائمة على وجود الطرف الآخر الرازح تحت وطأة الاحتلال.
حل السلطة لابد منه لأنه يعيد القضية الفلسطينية إلى مربع المقاومة الأول بعد أن تبين وبالملموس أن هذه السلطة مجرد جيفة هامدة لا تغني ولا تسمن من جوع، فضلا عن أنها بضاعة أميركية - إسرائيلية بامتياز لا هم لها سوى حماية مصالح فئة ضيقة من الشعب الفلسطيني والتغطية على سلسلة الجرائم المتواصلة، التي ترتكبها الدولة العبرية ضد شعب فلسطيني أعزل، والتي لم تمثل جريمة بيت حانون الأخيرة سوى حلقة واحدة فيها، ولا تحتاج قوة الاحتلال إلى أي مسوغ لارتكابها.
و هنا لابد من تغليب المصلحة الوطنية الفلسطينية على الفئوية منها والخروج من الأزمة الداخلية القائمة من خلال التركيز على علة العلل ومصيبة المصائب المتمثلة بالاحتلال وتخليص الفلسطينيين من شرنقة سلطة لم تجلب لهم سوى العار والدمار.