يمثل الإسلام السياسي بضفتيه جزءا مهما من خريطة القوى السياسية القائمة في المجتمع البحريني وهو في هذا يمثل جزءا من هذه الحركية التي توصف بها العملية السياسية، سواء جاء تصنيف هذه القوى فيما قد يسمى بقوى الموالاة أو قوى المعارضة، وسواء اتفقنا أو اختلفنا مع نجاعة أطروحتها وأولويتها في الأجندة الوطنية.

وقد تنزع بعض هذه القوى نحو الوعظية والدعوية وبالتالي تمثل موقف الموالاة في حين ينزع الآخر نزوعا إيديولوجيا معارضا. وتمثل هذه القوى في كلتا حالتيها الحالة الفكرية والسياسية ولربما الإيديولوجية عند هذا الفصيل الإسلامي أو ذاك، أكثر منه تعبيرا عن حالة اجتماعية ـ اقتصادية بحتة، وإن كان لبعض ذلك دور في مضامين الخطاب السياسي ولربما الوعظي الخاص بالجماعات المختلفة للإسلام السياسي البحريني، لا نستطيع نفيه كمشتغلين في حقل العلوم الاجتماعية.

لقد دشنت جماعات الإسلام السياسي وتحديدا في شق تحالف الأخوان- السلف معركتها الانتخابية لربما من منطلق الفكرة القطبية( نسبة إلى السيد قطب) المعروفة والتي تقسم الخلق والعباد والبلاد إلى دارين: دار الإيمان مقابل دار الكفر. وبدا الخطاب الانتخابي لهذه القوى وتحديدا في شق جماعة الإخوان المسلمين،

ولربما هي في ذلك أعلى من السلف، في إبراز صراعها واختلافها مع الآخر في المسألة الإيمانية أكثر منها في مسألة البرامج والمشاريع الانتخابية ذات العلاقة بدور المجلس كسلطة تشريعية ندية ممثلة للناس والمجتمع في مقابل السلطات الأخرى المعروفة.

بل بدت بعض هذه الأطروحات الانتخابية لدى إثنين على الأقل من المرشحين منفلتة عن إطارها الوطني الجامع وتأخذ بعداً عصبوياً واضحاً وخطيراً، وجب على العقلاء من داخل التيار أن يتداركوه بل وأن يكبحوا جماح أية نوازع عصبوية لا وطنية في أوساطها.

وقد يكون هذا المدخل، أي خطاب مهاجمة الآخر، مساعدا للجماعة أو الجماعات التي كانت في المجلس السابق، في تجاوز مسألة الحديث عن إخفاقاتها وكذلك مواقفها داخل المجلس في مسائل ذات علاقة بصلب العملية الديمقراطية ذاتها وفيما يتعلق بالملفات الساخنة ومسألة الفساد.. وغيرها، وإلا فلا نجد أي مبرر آخر في أن يكون خطابها الانتخابي مشحونا ضد الآخر أكثر منه طرحا للبرامج والمشاريع.

فالصراع على المقاعد البرلمانية يجب أن يكون صراع برامج وليس صراع طوائف أو أن يكون صراعاً محتدماً بين فسطاط خير وإيمان مقابل فسطاط شر وكفر. وأعتقد أن على العقلاء في حركة الإخوان المسلمين البحرينية تحديدا، أن يتجاوزوا الطرح الذي قد تكون له بعض المغانم الآنية الوقتية، لأن مصاحبات ذلك على الموقف من الحركة وأقطابها على المدى البعيد لن تكون في كل الأحوال بالصورة التي ترغب فيها الحركة وأقطابها العقلاء.

فحرارة وسخونة الحالة الانتخابية والخوف من أن يتقلص حجم وتأثير ولربما خسارة البعض ممن كانت له الكلمة، والصولات والجولات في المجلس السابق يجب ألا تذهب عن هؤلاء عقولهم ومواقفهم التي تميزوا بها في بعض الحالات العربية الأخرى، وهي رغم قلتها إلا أنها مع ذلك لا يجب أن تفلت من الذاكرة. فأنت لست وحدك المؤمن بالله سبحانه، ففي ذلك يشاركك كل أصحاب الأديان السماوية،

كما أنك لست المؤمن الوحيد والمسلم الوحيد في هذا المجتمع، فكل البعثيين والقوميين واليساريين والعلمانيين هم مسلمون، والعلمنة لا تعني الكفر بالدين وإنما هي تعني تحديدا عزل لتوظيفات الدين في السياسة، وهي رغم ذلك مسألة خلافية، لا توجب تكفير أو وصم قائلها أو الداعي إليها.

فالانتماء الفكري والأيديولوجي لا يذهب عن كل هؤلاء إيمانهم وإسلامهم، وإنك مهما أتيت من العلم مراتب ووصلت من الدين مبلغا، لا تحمل وحدك كل الحقيقة التي تبقى في إطارها الإنساني حقيقة نسبية قابلة للأخذ والرد. وتبقى جماعات الإسلام السياسي كما هي كل الأحزاب السياسية الأخرى، تعبر عن مواقف سياسية وخطاب أيديولوجي أكثر منه تعبيرا عن حالة دينية أو إيمانية.

إن جزءا من طبيعة هذا الخطاب الانتخابي للجماعات السياسية البحرينية أو جلها إنما يعبر في بعض جوانبه عن حداثة التجربة وطبيعة التأسيس الثقافي ـ السياسي لهذه الجماعات، كما يعبر في واقع الأمر، عن عدم قدرة هذه الجماعات على مبارحة أطروحاتها القديمة وأيديولوجياتها الإقصائية المتمفصلة في هيكلها التنظيمي وبنائها الفكري.

ويبدو أن جماعات الإسلام السياسي، ونتيجة للحالة السياسية المحلية والإقليمية، وكما يقول الكاتب العراقي المعروف رشيد الخيون، «ستستمر في بعضها أو جلها وبضفتيها، تحشد الأتباع باسم المذهب أو المذاهب، وتحت شعارات حقوق الطائفة لا المواطن»، أو حشدها ضد الآخر السياسي بوصمه بالعلمنة والكفر والإلحاد أو بالوقوف مع الطائفة الأخرى أو بدعمها.

«فمن مصلحة هذه الكيانات أو بعضها على الأقل أن يدفع أصحاب المذاهب ولربما الأديان نحو التمترس والتحشيد العصبوي والفئوي والطائفي. وإذا ما اتجه السنة والشيعة نحو زعامات وطنية لا طائفية، لن تبقى الغلبة لزعماء الطوائف وأحزابهم السيا ـ دينية ولن تبقى دائرة لأصحاب الحروب الطائفية أو مشعليها». وإذا ما كان البعض قادرا على أن يضحك أو يكذب على الناس بعض الوقت، فإنه دون شك لن يستطيع أن يفعل ذلك طويلا فحبل الكذب في ذلك كما يقولون قصير. والله من وراء القصد.

كاتب بحريني