يخطئ الذين يراهنون كثيرا على أبدية الوهن والتخاذل العربي، وكأنه قدر محتوم لا فكاك منه، ولا يدركون حقيقة التغير، ونواميس التاريخ الإنساني، ورحلة صعود وهبوط دول وأمم وانهيار إمبراطوريات، وبزوغ نجم أخرى.
القراءة الخاطئة للمشهد العربي الرسمي الراهن هي المسؤولة عن اندفاع كثيرين في استقوائهم، وتصعيد موجات عدوانهم على العرب في فلسطين ولبنان والعراق، وتجعلهم لا يرون في مظاهر الغضب والسخط الشعبي دليلاً على بقاء جذوة النهوض مشتعلة تحت رماد الصمت.
الحاصل ان العدوان الإسرائيلي الوحشي والمذبحة التي راح ضحيتها العشرات من الأطفال الفلسطينيين في بيت حانون، الذين اغتيلوا بليل وهم نيام، لم تكن هي الأولى، ولن تكون الأخيرة، ليس لضعف او تخاذل في صفوف المقاومة الفلسطينية الصامدة، بل بسبب حالة التشرذم العربي الرسمي.
يضاف إلى ذلك تداخل الأولويات والتحديات التي تواجه امتنا، وشيوع أجواء الانحياز الغربي- إلا قليلا- لإسرائيل، الأمر الذي يوفر لها إسناداً سياسياً ودبلوماسياً يبرئ ساحتها دائما، ويحررها من دفع فاتورة جرائمها ضد الإنسانية.
في هذا السياق من الانحياز غير المبرر، بأي معيار نقرأ فشل مجلس الأمن الدولي في إصدار قرار يدين مجزرة إسرائيل في بيت حانون، تحت تأثير حق النقض« الفيتو» الأميركي الذي جر خلفه 5 دول أخرى امتنعت عن التصويت في قضية واضحة ليست بحاجة لدفوع أو أدلة، لأن آثار المذبحة حاضرة في الأذهان، ودماء الضحايا لم تجف بعد.
على ان الفيتو الأميركي هو المثير لمشاعر الاستياء، ليس عربيا فقط بل على المستوى العالمي، لجهة استهزائه بكل معايير الشرعية والحق والقانون الدولي، واستخدامه في توقيت يرشح الإدارة الأميركية لالتزام المزيد من الحذر، لتجنب إثارة موجة جديدة من ردود الفعل المعادية لها.
وليس بإمكان احد في الإدارة الأميركية ان يغض الطرف عن الأخطاء المتكررة التي تدفع اقرب الحلفاء وأكثر المعتدلين العرب إلى نفاد صبره، وإعلان خسارة رهانه على إمكانية ان يستوي ميزان العدل، في وقت تقف واشنطن في مسيس الحاجة لأي جهد ودعم عربي لإخراجها من ورطتها في العراق، الورطة التي أطاحت بنجم نجوم صقور البنتاغون وزير الدفاع دونالد رامسفيلد.
قد يكون الفيتو الأميركي هو الأخير للمندوب جون بولتون الجمهوري، لكنه من المؤكد لن يكون الأخير للإدارة الأميركية التي استخدمته 14 مرة لحماية إسرائيل ومنع إدانتها دولياً، وهذا يطرح علينا سؤالاً: أين الفيتو العربي باتساع مصالح واشنطن، لدفعها للإقلاع عن الانحياز لإسرائيل؟
وقد أتت الإجابة سريعاً عبر قرارات وزراء الخارجية العرب، في اجتماعهم بالقاهرة حيث قرروا أمس كسر جميع القيود المفروضة على الشعب الفلسطيني، كما قرروا نقل ملف مجزرة بيت حانون إلى الجمعية العامة للإمم المتحدة لادانة إسرائيل. وسوف يشهد المستقبل المزيد من الغضب العربي ضد الانحياز الاميركي لاسرائيل، ذلك الانحياز الذي بات يكلف المواطن الأميركي كثيراً، ويحمله من الخسائر ما لا طاقة له به