سبق وأن استخدمت الولايات المتحدة الفيتو لحماية اسرائيل من الإدانة على جرائمها، وعشرات المرات والجولات في أروقة مجلس الأمن شهدت هذا الموقف المعيب من دولة ترفع لواء الحرية والانسانية وحقوق الانسان، وربما في كل مرة تسعى الادارة الاميركية وأدواتها إلى اثناء المجموعة العربية عن عزمها طلب الإدانة كي توفر الاحراج على واشنطن.
ولكن حسن ما فعلته المجموعة العربية هذه المرة من اصرارها على طلب قرار بالادانة للمجزرة الاسرائيلية البشعة في بيت حانون، فقد اضافت المجموعة العربية بذلك ازمة جديدة الى مجموعة ازمات واشنطن الاخلاقية فيما يتعلق بالممارسات الاسرائيلية.
ذلك ان واشنطن تمر هذه الايام بوضع شديد الحرج للجمهوريين الذين خسروا أغلبية الكونغرس والشيوخ على السواء، ولا يمكن تفسير هذه الخسارة في الانتخابات النصفية الا على أنها نتاج قناعة بأن الادارة الجمهورية لم تعد تعرف موقع أقدامها ولم تقدر لرجلها قبل الخطو موضعها.
والسبب ببساطة أيضا ان كل الدلائل تشير إلى ان القرار الاميركي لم يعد اميركياً وإنما تتم صياغته في تل أبيب تحديداً، وطبعاً اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة هو الذي يقوم بالضغط لتنفيذ القرارات في صالح اسرائيل واطماعها.
الا أن التاريخ لا يغفر الاخطاء السياسية القاتلة مثل حزمة الأخطاء التي ترتكبها الادارات الاميركية حين تقرر الانحياز لاسرائيل على هذا النحو الفاضح، حيث لم تعد هناك ثمة أية مصداقية لأي موقف أميركي حتى على الصُعد غير السياسية.
والاعتقاد بأن العرب هم المتضررون فقط من وراء حماية اسرائيل في غير محله، حيث اثبت التاريخ القريب أن الولايات المتحدة دفعت ثمناً باهظاً بالنظر إلى ان التداعيات التي خلفتها أحداث الحادي عشر من سبتمبر ما هي إلا نتيجة شعور قوي داخل أميركا وخارجها بأن ما يسمى بالارهاب العالمي هو نتاج لكراهية عالمية لكل ما هو أميركي.
كل ما هنالك أن سيف الظلم الاميركي المسلط على كل من يعارض موقفاً أميركيا هو الذي يخيف العديدين ويمنعهم من الاعتراف بهذه الحقيقة، لكن الشعور بالأمان اصبح عزيزاً مع توالي هذه الاخفاقات الاميركية في قراءة الواقع العالمي الذي يتجافى ويتأبى على الارادة الاميركية شيئا فشيئاً.
ولم يفلح المال الاميركي او السلاح الاميركي في لجم نزعات بعض الدول في اللجوء إلى امتلاك اسلحة فتاكة تحت شعار الخوف من مستقبل الأطماع الأميركية. ليس هذا فحسب وإنما نحن نلاحظ تنامي العداء للسياسة الاميركية حتى بين جيرانها الاقربين مثل نيكاراغوا وبوليفيا وفنزويلا وأيضا المكسيك. وبعد أن كان من يستقوي بأميركا تكتب له الغلبة صار الكل يفر من تهمة التعاون مع الولايات المتحدة حتى لا يخسر موقعه بين شعوب أميركا اللاتينية.
لقد كانت التبريرات التي ساقها المندوب الاميركي في مجلس الأمن جون بولتون بمثابة العذر الأقبح من الذنب وهو يبرر تبريراً مسبقاً رفع الفيتو في وجه قرار إدانة اسرائيل حيث رآه معيباً ومتحيزاً للعرب ويعرقل عملية السلام التي زعم بولتون أن بلاده ملتزمة بها. أين هي عملية السلام التي يتحدث عنها بولتون؟.
لقد فاز الفلسطينيون بمزيد من التعاطف الدولي بهذا الفيتو الجديد لصالح اسرائيل، وحصاد هذه المواقف المتعاطفة يعطي زخماً للقضية الفلسطينية يحفزها على الاستمرار.
وعلى المجموعة العربية والاسلامية وعدم الانحياز أن تواصل تفعيل الموقف بالانتقال الى الجمعية العامة لاستصدار قرار الإدانة الذي نعلم أنه لن يفيد على الأرض ولكنه يفت في عضد الذين يدعمون إرهاب الدولة البشع الذي تمارسه اسرائيل، هذا الدعم الذي يقرب العنفوان والغطرسة الاميركية الاسرائيلية الى حافة الهاوية.