دائماً ما نقول إن تشابهاً كبيراً بين الوضعين اللبناني، والفلسطيني في العديد من الأحوال الإيجابية والسلبية، وقد يكون السبب تاريخ الجغرافيا، والسكان والتاريخ الطويل الذي جعلهما نمطاً واحداً، أو قريباً جداً منه.نأخذ أزمة تشكيل الحكومتين، ومع أن الشعبين هما الأكثر ثقافة ومقابلة مع الحروب والاستعمار، والتسلط الحزبي، وبوجود هذا التميز من التجارب إلا أنهما عجزا في التغلب على مصاعبهما لصالح وحدة وطنية مميزة.
الشعب الفلسطيني واقع تحت الاحتلال بكل طقوس العنف والفصل العنصري وعقلية الصهيوني الذي احترف هواية القتل ليكون الوريث على الأرض وفق الطقوس التوراتية، إلا أننا لا نجد المبرر بأن تنقسم الفصائل إلى حد نذر الحرب بين قيادات هي الأكثر تعليماً وثقافة، وكيف لا تتفق، على الحد الأدنى لفك الحصار عن الشعب وتحييد الخلافات ووضع إطار لرفع سقف المصالح الوطنية فوق كل شيء لاعتبارات أخلاقية ومصيرية، وحتى مع كل الظروف الحادة والصعبة التي واجهتها القيادة الفلسطينية، فإنه لا مبرر أن يصل الأمر إلى إعطاء إسرائيل مفاتيح البيوت والمخازن تضرب وتدمر وتقتل أمام عجز تام في صنع وفاق فلسطيني.
لبنان عاش عبث الخلاف على السلطة منذ الاستقلال وحتى اليوم ومن يتذكر الوجوه الكلاسيكية التي حكمته، ومن ثم الورثة حين أعلنوا دولهم على عدة فترات باسم الطائفة، ثم حرب أهلية بسبب تلك النزاعات، وغزو إسرائيلي وبعد ذلك تختل موازين القوى ليصبح حزب الله القوة الأكبر، نجد أن الموضوع تحول من هيمنة مسيحية مع تحالف سني وفقاً لاتجاهات المصالح، نجد الآن تآلفاً من معظم القوى في وجه أخرى، والسبب أن الانقسامات لا تأتي فقط من خطط للدولة تريد خلق ظروف لانتزاع لبنان من مآسي الدمار والحروب، وإنما كيف يتم تقاسم الكعكة، وقد يكون الخلاف على الوسيلة، وليس على الهدف إذ لا تستطيع الرهان على أي تحالف قابل للتغيير، وأزمة لبنان ترفيه تصل بعنفها أحياناً إلى فقدان الاتزان لأن اللاعب الخارجي لا يزال يملك تمثيلاً شاملاً في عصب كل حزب ومنظمة.
من الغريب أن الشعوب الناضجة التي خلقت القيادات التاريخية، هي من تجعل المفاضلة بين مصالح القيادات أقل من الأهداف الوطنية، فهل يتحقق هذا على الأرض العربية؟!