في مدينة العين، التقت على مدى يومين ماضيين نخبة من مثقفي الدولة في (اللقاء الثقافي الوطني الأول) الذي نظمته وزارة الثقافة والشباب وتنمية المجتمع، وقد طرحت موضوعات تحدد معالم المشهد الثقافي في الإمارات وترصد همومه وتطلعاته المستقبلية.
من بين هذه الجلسات كان هناك لقاء آخر جمع هذه النخبة بالفريق أول سمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، فكان حضوره محل تقدير، وفرصة اقترب فيها المثقفون منه كصانع قرار، حيث شاطرهم همومهم وأفسح مجالاً أكبر للتفاؤل بمستقبل وطنهم، ليس في المجال الثقافي فحسب بل في مجالات أخرى كالأمن والاقتصاد والوطنية وما تقتضيه من الولاء.
«التفكير بصوت عالٍ» هو ما دعا إليه سمو الشيخ محمد بن زايد عندما تحدث عن مستقبل الإمارات إذ قال: «إذا فكرنا مع هذه النخبة من مثقفي أبناء الوطن وغيرهم من المخلصين بصوت عال، وإذا اتفقنا على الأهداف وعرفنا ما الذي نريده تحديداً فلا شك في أننا سنتمكن من التخطيط لدولة الإمارات حتى عام 2025 أو حتى عام 2050، وبالتالي سنبحر بسفينة الإمارات نحو بر الأمان».
التخطيط هو القضية الأهم التي ركز عليها سموه في حديثه عن الثقافة أو الشؤون الأخرى، إذ يرى سموه أن بناء الدولة ينبغي أن ينطلق من خطط واستراتيجيات، لأن الدولة في وجهة نظر سموه «لا تُبنى على ردود فعل» كما يحدث في بعض دول المنطقة التي تجيئ تحركاتها بناء على ردود فعل ناتجة عن مشكلات تترك آثارها،
ويرى سموه أن صانع القرار أو المسؤول عندما يحصر نفسه في السيطرة على ردود الفعل، فهو يستقطع وقتاً طويلاً ويبذل جهداً كبيراً على حساب التفرغ للتخطيط، ووضع الاستراتيجيات التي تكفل مستقبلاً مشرقاً وآمناً لمنطقته، وهو الأمر الذي سيعطل تحقيق الأهداف المرجوة في دولة ينبغي أن تخطط للحفاظ على مكتسبات أحرزتها لتضيف إليها في إطار عدد من الثوابت.
حديث سموه عن التخطيط من جانب، والانشغال بالسيطرة على ردود الفعل من جانب آخر، جعلنا نتساءل عن انشغال «بعض» وزراء الحكومة الحالية وانصرافهم إلى السيطرة على ردود الفعل، الأمر الذي نتج عنه تخوف من أن ينفق هؤلاء الوزراء جل أوقاتهم في متابعة كل صغيرة وكبيرة، مؤجلين الإعلان عن خططهم واستراتيجياتهم رغم أننا أحوج ما نكون فيه لمعرفتها في مختلف القطاعات، تعليمية كانت أو صحية أو إعلامية وغيرها،
ليمارس كل منا إعلامياً كان أو مثقفاً أو موظفاً أو فرداً عادياً دوره الحقيقي وبالشكل الصحيح الذي يتيح له المساهمة في صناعة مستقبل الإمارات وفق هذه الخطط. فالدول المتقدمة تنطلق من خطط واستراتيجيات تضعها، ينفذها مسؤولون وفق آليات تكفل تحقيق الأهداف وتجسدها واقعاً، أما إذا كانت الرؤية فيما يتعلق بالسياسة العامة ليست معلنة حتى الآن مع أنها قيد الإعداد والتعديل، فمن الصعب تحقيق أهداف وسياسة الدولة،
وستنحصر الجهود في السيطرة على ردود فعل وحل مشكلات ثانوية على حساب ملفات كبرى تعد الأهم، لذا فإننا ننتهز هذه الفرصة التي دعانا فيها سموه للتفكير بصوت عال لنقول، إننا كمواطنين معنيين بمستقبل الإمارات، نطالب بعدم تأجيل الإعلان عن سياسة الدولة واستراتيجيتها في مختلف القطاعات لنؤدي الدور المطلوب منا، ولتصبح هذه السياسات واقعاً يتعدى السيطرة على ردود الفعل إلى عمل منظم تحكمه خطط واستراتيجيات.