يتخذ التفاؤل الحذر طريقه إلى المنطقة غداة عودة الاتزان إلى داخل «المطبخ» السياسي الأميركي بفوز الديمقراطيين بغالبية مقاعد مجلسي الشيوخ والنواب في الكونغرس الأميركي، ما سمح بالحديث عن تحولات استراتيجية في مسيرة العمل في العراق والمنطقة بشكل عام.

ومع إعلان البيت الأبيض عن أن الرئيس الأميركي جورج بوش سيجتمع غداً مع فريق عمل حول العراق «لجنة بيكر» فإن التوقعات المتفائلة تزيد بأن يتم اقتراح في ختام أعماله تغييرات مهمة على السياسة الأميركية في العراق، تجعل الأمل كبيراً في تحقيق الاستقرار في هذا البلد.

فليست عيون الأميركيين وحدهم، ولا قلوبهم متعلقة بالنتائج التي سيخلص إليها فريق العمل الذي تم تشكيله ببادرة من الكونغرس لتقويم الوضع في العراق، إذ إن شعوب المنطقة جمعاء تنتظر المقترحات والمبادرات الجديدة التي من شأنها الحد من العنف والقضاء على الفتنة الطائفية.

وأولى بوادر التغيير التي ستضعها على رأس أولوياتها لجنة الدراسات حول العراق هي عرقنة الشرطة والجيش، كما ستوصي بتعاون سياسي اكبر من الأطراف العراقية المختلفة.

وبموازاة الجهد الأميركي الجديد، سيقوم رئيس الوزراء البريطاني توني بلير بإجراء مباحثات مع اللجنة الأميركية، ورغم أن التسريبات كشفت عن أن الحكومة البريطانية لن تدعو إلى انسحاب قوات التحالف من العراق، إلا أن القناعة باتت مشتركة بين لندن وواشنطن بأن التغيير الاستراتيجي في السياسة تجاه هذا البلد بات أمراً مفروغاً منه.

وكشفت صحيفة «الغارديان» البريطانية أمس عن أن «بلير سيحض الأسبوع المقبل الإدارة الأميركية على البدء بمحادثات مع سوريا وإيران أيضا للخروج من المأزق العراقي والنزاع في الشرق الأوسط».

وأوضحت «الغارديان» أن مسؤولين بريطانيين يعتقدون أن البيت الأبيض منفتح على مبدأ إجراء حوار مع سوريا، في حين أن وزير الدفاع الجديد روبرت غيتس الذي شارك في أعمال اللجنة حول العراق يؤيد استئناف الاتصالات مع إيران.

وتزداد لدى بوش في الآونة الأخيرة الرغبة في سماع أفكار جديدة بشأن المنطقة، ما سيتيح الفرصة أمام الأطراف العراقية المعارضة للوجود الأميركي وبمساعدة عدد من دول المنطقة بإيصال صوتها إلى واشنطن، كما إن ذلك سيسهم في دفع عجلة المفاوضات السرية التي تقوم بها إدارة بوش مع عدد من الجماعات المقاومة في العراق أملا في تخليها عن السلاح، وانخراطها في العملية السياسية.

وفي ظل موجة الانفتاح الجديد على الأفكار، تأخذ القضية الفلسطينية إلى جانب الأزمة الإيرانية والاحتقان العراقي دورها أيضا، حيث أكد وزير الخارجية الفرنسي فيليب دوست بلازي مؤخراً على أن باريس تعمل من أجل عقد مؤتمر دولي للسلام في الشرق الأوسط، وذلك حال ما شكلت حكومة فلسطينية جديدة.

والجهد الفرنسي الجديد الموازي للتحركات الأميركية والبريطانية يتطلع أيضا قدماً لحسم الأزمات في السودان والعلاقة بين سوريا ولبنان والغرب.

ودعا بلازي سوريا إلى القيام بأفعال تثبت امتناعها عن التدخل في شؤون جيرانها من اجل إعادة بناء جسور الثقة معها، مطالباً إياها أن تسهم في تعزيز الاستقرار في المنطقة من خلال الالتزام بتعهداتها.

ورغم كلاسيكية الخطاب الغربي الموجه إلى دمشق، ورفضه النظر للجزء المليء من الكأس في حقيقة أن لسوريا دوراً كبيراً في استقرار المنطقة، وأنها سعت أكثر من مرة لإثبات حسن النوايا، ولذا من الممكن أن يكون الغرب الآن أكثر قدرة على استيعاب وجهة النظر السورية خاصة بعد عدة جولات قامت بها الدبلوماسية البريطانية مؤخرا باتجاه دمشق للتشاور، وبحث النقاط العالقة والاختلاف في وجهات النظر بشأن العديد من قضايا المنطقة.

ووفق جميع هذه الأطر، يبقى أن يتشكل جهد دبلوماسي عربي موحد، وهو الأمل المعقود دوماً من أجل رفد الجهد الدبلوماسي الغربي بوجهة النظر العربية لتسجيل الحضور الفعّال بدلاً من أن نكون فقط على مقاعد المتفرجين.