طوال الأسابيع الماضية كنت أحاول متابعة ما نشر من دراسات بمناسبة مرور خمسين عاماً على الحدث العظيم «تأميم قناة السويس» وما أعقبه من أحداث حاسمة وتآمر بين إسرائيل وفرنسا وبريطانيا، وشن العدوان الثلاثي على مصر، وصمود مصر وفشل العدوان وانتهاء المعركة بانتصار عربي فتح الباب لاستكمال معارك الاستقلال العربية.
ولامتداد آثار المعركة إلى أرجاء آسيا وإفريقيا وأميركا اللاتينية مع إعلان نهاية الاستعمار بصورته القديمة وانهيار آخر الإمبراطوريات الاستعمارية في ذلك الوقت (بريطانيا وفرنسا) وبداية مرحلة جديدة في تاريخ شعوب طال استعمارها واستغلالها ونهب ثرواتها.
في فرنسا وبريطانيا خرجت دراسات مهمة في الذكرى الخمسين، بينما استمر التجاهل في مصر والعالم العربي لواحدة من أكبر معاركنا في العصر الحديث. ويبدو أنه لا مجال لاحتفال يليق بالمناسبة في عصر يخشى فيه الأعداء (ويخشى معها النظام العربي) ان تستعيد الأمة ذاكرة الانتصار !!
ملاحظة مهمة أريد أن أتوقف عندها، وهي أن دول الغرب (والولايات المتحدة بالذات) كانت تدرك منذ اللحظة الأولى للأزمة خطورة ما بدأت مصر عبدالناصر تطرحه حول وحدة المصير العربي في ضوء تأكيد مصر لعروبتها ودخولها المعركة التي اندلعت قبل تأميم القناة حول الأحلاف العسكرية التي كان الغرب يسعى لإرغام العرب على دخولها لإيجاد صيغة للسيطرة على المنطقة ونهب ثرواتها بعد انحسار الاستعمار العسكري وبذريعة إيجاد حائط صد ضد الخطر الشيوعي.
بينما كان عبدالناصر يطرح وجهة النظر المعارضة لحلف بغداد وما تبعه من أحلاف مماثلة والتي كانت تركز على ان الخطر الماثل على الشعوب العربية هو الخطر الإسرائيلي، وأن التصدي للخطر الشيوعي يكون بحصول العرب على حقوقهم المسلوبة وبناء الوطن العربي المستقل الذي تسوده الحرية والعدالة الاجتماعية.
وأتوقف عند هذه اللحظة لا إعجاباً بالتاريخ ولا من باب تقديس الماضي، ولكن لأننا نواجه موقفاً مشابهاً من أوجه كثيرة.. فقبل خمسين عاماً، كانت قوى الاستعمار بشقيها القديم (بريطانيا وفرنسا) والصاعد (الولايات المتحدة) يسعون لإبقاء المنطقة تحت سيطرتهم بكل الطرق.
وكانت قوى التحرير والاستقلال بقيادة مصر تسعى لاستكمال تحرير الأرض العربية، وكانت المعركة حول الأحلاف العسكرية والسياسية التي تريد قوى الاستعمار فرضها على العرب هي العنوان الرئيسي لهذه الحرب التي امتدت بعد ذلك لمعاقبة مصر بسحب عرض تمويل السد العالي، ورد عبدالناصر بتأميم قناة السويس وما تبعها من غزو فاشل لمصر أدى إلى تعزيز مسيرة حركة تحرير العربي والعالمي.
والقراءة الدقيقة لهذه المرحلة تضعنا أمام بعض المؤشرات الأساسية التي اعتقد أننا بحاجة إلى إعادة التفكير فيها في ضوء ما يحدث في المنطقة الآن:
ـ لقد كان انكفاء مصر على مشكلاتها الداخلية وأبعادها عن محيطها العربي هدفاً أساسياً للقوى المعادية. ولم تكن مصر قد اتخذت «أي مواقف عدائية من الولايات المتحدة في ذلك الحين، ومع ذلك رفضت أميركا تزويدها بالأسلحة للدفاع عن نفسها في وقت كان يتم تحريك إسرائيل لممارسة الضغط على حكومة الثورة بالاعتداءات المتوالية على الحدود.
ولم تكن القاهرة تمثل خطراً حين طلبت مساعدتها اقتصادياً والمساهمة في تمويل السد العالي ليقابل طلبها بعد ذلك بالرفض. وكانت الضغوط تتوالى منذ هذه الفترة المبكرة لتربط بين أي مساعدات لمصر وبين الصلح مع إسرائيل.
ـ منذ ثورة يوليو كان المحور العربي محط اهتمام القوى المعادية. وإذا كان طبيعيا أن تقاتل فرنسا من أجل منع القاهرة من تقديم المساعدات لثوار الجزائر والمغرب العربي، وان تسعى بريطانيا للإبقاء على ما تبقى لها من نفوذ في العراق والأردن، ومن وجود عسكري في الخليج وجنوب اليمن، فإن ما يسترعي الانتباه أن الولايات المتحدة الأميركية .
وهي تنتظر سقوط الإمبراطوريتين الفرنسية والبريطانية وتسعى لبناء إمبراطوريتها الجديدة في المنطقة على أنقاض الإمبراطوريتين السائرتين إلى السقوط، كانت تركز اهتمامها من البداية على ضرب أي محاولة لتوحيد الجهد العربي.
وتكشف الوثائق أن جزءاً من الخلاف بين واشنطن من ناحية وباريس ولندن من ناحية أخرى في أزمة السويس، كان في تفضيل واشنطن للمخطط الذي وضعه دالاس وزير الخارجية الأميركية القوي الذي كان يسعى - حتى قبل تأميم القناة - إلى محاصرة عبدالناصر، وهنا يركز دالاس على نقطة مهمة وهي ضرب التحالف الناشئ بين مصر والسعودية وسوريا.
وكانت الدول الثلاث قد خطت خطوات مهمة على طريق توثيق علاقاتها، وتم عقد اتفاقات لتوحيد الجهد العسكري عام 55 كانت بالنسبة لواشنطن تمثل الخطر الأكبر على مشروعاتها لمستقبل المنطقة.
ـ ان القضية كانت أبعد من تحالف عسكري بين دولتين أو ثلاث. فالقضية كانت بالنسبة للولايات المتحدة (منذ هذا الوقت وحتى الآن) هي قضية «العروبة» وما يفرضه تجسيدها في واقع سياسي وثقافي واقتصادي حي من خطر على مصالح واشنطن وحلفائها. وفي هذا الإطار مورست كل أنواع الضغوط السياسية والاقتصادية والعسكرية لتعطيل مسيرة الوحدة العربية وضرب أي محاولة للوحدة (مصر وسوريا 58) أو حتى لتفعيل العمل العربي المشترك.
وفي هذا الإطار كانت محاولات زرع التناقض بين «العروبة» و«الإسلام» خاصة حين ارتبط التيار القومي بسياسات اشتراكية تم تصويرها للجماهير على أنها دعوة للإلحاد وليس للعدل الاجتماعي، رغم أن مصر وهي تقود الحركة العربية كانت حريصة على تأكيد ان عروبتها في خدمة الإسلام، وأن إسلامها يتعزز بتحقيق العدل وتحرير الوطن العربي.
المهم انه مع انطلاق الحركة القومية العربية في اتجاهها الصحيح، كانت السياسية الأميركية هي الحرب بكل الوسائل ومن بينها طرح الإسلام السياسي كنقيض للعروبة وليست كداعم لها، وعندما رحل عبد الناصر أصبح السادات هو «الرئيس المؤمن» الذي بدأ عهده بتسليح الطلبة تحت شعارات إسلامية لكي يطهروا الجامعات المصرية من الناصريين واليساريين والقوميين الملحدين!
ومنذ اللحظة التي بددنا فيها نصر أكتوبر ولم نترجمه الترجمة الصحيحة، ولم نحافظ على التحالف العربي الذي صنعه والذي كان قادراً على تحويل العرب إلى قوة كبرى متقدمة اقتصاديا وعلميا وثقافيا وعسكريا.. منذ هذه اللحظة بدأ الانحسار العربي يتزايد رغم تضاعف الإمكانيات المتوافرة للنهوض.
وكما تم تبديد الجزء الكبير من انتصار أكتوبر بالسياسات الخاطئة تم تبديد الجزء الكبير من الإمكانيات العربية في حروب الخليج التي لم تنته بتدمير العراق فقط بل بتوجيه أكبر الضربات للعروبة التي بدأت أميركا تروج لمقولة انها خرافة آن لها أن تنتهي لتدخل الدول العربية (بعد إعادة تقسيمها وتشكيلها) إلى الحظيرة الأميركية الموعودة منذ خمسين سنة والتي أصبح اسمها في الطبعة الأخيرة الشرق الأوسط الكبير أو الواسع أو المتسع!!
وها نحن كعرب نصحو (إذا صحونا!!) على واقع الخطر الذي يتمثل في النموذج العراقي والذي ينتقل إلى لبنان ومن ثم إلى باقي العالم العربي.
حيث الحرب الأهلية تجري (كما خطط لها الأميركان) بين السنة والشيعة وبعدها بين طوائف الشيعة بمختلف اتجاهاتها، وبين طوائف السنة بمختلف تياراتها. وينتقل الصراع إلى لبنان الذي يتم جره إلى صراع طائفي يعيد ذكرى السنوات البائسة من الحرب الأهلية، وتصبح إيران لاعباً أساسياً في القضايا العربية، وتركيا في الطريق، والعرب غائبون إلى أن يعودوا إلى عروبتهم ويدركوا أنها الحل والمصير.
فالعراق لن يخرج من محنته إلا إذا خرج من قبضة العملاء من ناحية وسطوة الأئمة من ناحية أخرى، وعاد السنة والشيعة معا للقتال من أجل عراق عربي. ولن ينجو لبنان إلا إذا تعامل الجميع من منطلق أن النصر على العدو الإسرائيلي لم يكن نصراً لطائفة بل نصراً للبنان الذي تتسع عروبته للجميع مسلمين ومسيحيين.
ولن يكون للعرب جميعاً مستقبل حقيقي إلا إذا انطلقوا من أن عروبتهم ليست نظرية أو اتجاهاً سياسياً يمكن التخلي عنه، أنها الهوية التي لم تفلح سنوات طويلة من الحرب في التخلص منها، والتي لم يكن ما يجري في العراق ولبنان وفلسطين إلا التجسيد الحي للكارثة التي تنتظرنا إذا لم نتمسك بها ونستعد حلمنا العربي من بين أنقاض مدن تهدمت ودول تنهار ومئات الآلاف من الشهداء الذين سالت دماؤهم على أرض كانت ـ وستظل ـ عربية.
نقيب الصحافيين المصريين
