ودعت بلدة بيت حانون شهداءها إلى مثواهم الأخير في مشهد مهيب، وأضيفت جريمة جديدة إلى سجل إسرائيل الحافل بالجرائم العنصرية التي لا تفرق بين طفل وشيخ، أو امرأة، أو صبي أعزل، بعد أن دكت قذائف الحقد الصهيونية جدران المنازل الآمنة، واغتالت الأجساد النائمة، وحرمتها فرصة رؤية ضوء الفجر المتسلل عبر فتحات النوافذ المشرعة على نهار جديد لن يبصروا نوره إلى الأبد.
استكثر الإسرائيليون على بيت حانون بطولة نسائها اللاتي رفعن الرؤوس بفك الحصار عن المقاومين في مشهد تحدث عنه بإعجاب العدو قبل الصديق، فكانت رصاصات الغدر التي اخترقت الصدور البريئة، والقلوب الخضر التي لا يزال وعي أصحابها يتشكل ليجسد حلم الكبار بالحرية، والغد الأفضل، تتويجا لنضال سنوات طوال في وجه عدو يسابق الزمن لوأد كل الأحلام.
«غيوم الحقد» التي أمطرت قنابل ومتفجرات، على رأس سكان بيت حانون، وروعت أطفالها، وثكلت نساءها،لا يتحمل الإسرائيليون وحدهم المسؤولية عنها، إنما يتحمل مسؤوليتها التخاذل الدولي، والعجز العربي، الذي أعطى الإسرائيليين فرصة ارتكابها دون رادع، كما تم في المرات السابقة في قانا وجنين.
فلو علم الإسرائيليون أن هناك ثمنا لمغامراتهم واستباحتهم لدماء الأطفال الأبرياء، لفكر قادتهم مهما أوغلوا في السادية، ألف مرة قبل الإقدام على مثل هذه الجرائم التي يكتفي العالم بمشاهدتها على الهواء مباشرة، قبل أن ينفض الجميع أيديهم ببيانات شجب هزيلة، أو إدانة عرجاء لا تمنع قاتلا من المضي قدما في إشباع غريزته الهمجية بسفك الدماء.
والعجيب أن القاتل وبعد أن ارتكب فعلته النكراء، سارع إلى تبرير الجريمة على طريقته المعهودة مدعيا أن القصف تم على سبيل الخطأ الفني وان المدافع صوبت إلى غير وجهتها، بل الأكثر تبجحا إعلان رئيس الوزراء ايهود اولمرت رغبته في مد يد المساعدة إلى الضحايا.
في محاولة لاحتواء ردود الفعل الدولية التي استدعت عقد مجلس الأمن الدولي جلسة طارئة لمناقشة مذبحة بيت حانون، وبالمثل عبرت واشنطن الضالعة في الجريمة ذاتها إلى التعبير عن الأسف، وكأن عبارات الحزن الجوفاء يمكن أن تعيد إلى الضحايا الأبرياء أرواحهم التي زهقت بلا ذنب أو جريرة سوى تمرير المخططات الإسرائيلية.
مذبحة بيت حانون، جريمة حرب كاملة الأركان، لكننا لن نتوقع أن تصل يد العدالة إلى مرتكبيها، طالما بقيت العدالة الدولية عاجزة عن فرض إرادة مجتمع دولي حبيس في قفص منظمة دولية يتحكم فيها الأقوياء، ويملون شريعة الغاب، التي لا تعرف حقا، ولا تقيم وزنا للضعفاء. وبالتالي فإن الدعوة إلى محاكمة القادة الإسرائيليين على جريمة بيت حانون وغيرها من الجرائم الصهيونية رغم نية أصحابها الحسنة، لن ترى النور.
هل يعني ذلك غض الطرف والتسليم بمثل هذه الجرائم، وعدم فضح مرتكبيها ؟ بالقطع الإجابة بالنفي، لكن هناك فرقا، بين الفضح الإعلامي أو القانوني والعمل على منع تكرار مثل هذه الأفعال المشينة، عبر وسائل أخرى، أهمها عدم ترك شعبنا الفلسطيني يواجه مصيره عاري الصدر ومكشوف الظهر أمام آلة الدمار الإسرائيلية، وألا نكتفي باسطوانة الشجب والإدانة التي باتت مشروخة، أو الاقتصار في أفضل الأحوال على إرسال بعض المعونات الغذائية من هنا وهناك.
ما يواجهه الفلسطينيون في غزة والضفة الغربية يحتاج وقفة اكبر من سلاح الاستنكار أو حتى الاحتجاج الغاضب بالأفواه والحناجر، فمثل هذه التحركات لم تعد مجدية، وقد تجاوزها لا نقول الزمن ولكن الأفعال الإسرائيلية الموغلة في القتل والتنكيل والإذلال، والرسالة يخطئ من يظن أنها موجهة إلى الفلسطينيين وحدهم، بل هي إلى أكثر من 300 مليون عربي مفادها اخفض رأسك في زمن الشرق أوسط الجديد الذي يريدون للعرب أن يتحولوا فيه إلى مجرد أرقام مجردة من الفعل، ومحرومة من ردود الأفعال.
ما وقع في بيت حانون جريمة مقصودة، والهدف منها ليس منع صواريخ القسام من الوصول إلى المستعمرات الإسرائيلية كما تدعي تل أبيب، لكن الهدف الأول والأخير وأد الإرادة وشل القدرة على مقاومة شروط تسوية اقل ما توصف بأنها غير عادلة.