لم تكن القمة الصينية الإفريقية قمة مراسمية أو مهرجاناً دبلوماسياً كما تعودنا ان نرى في العديد من اللقاءات العالمية من هذا النوع. بكين تحولت بوجود زعماء وقيادات ثماني وأربعين دولة إفريقية إلى عاصمة إفريقية لا بل إلى عاصمة إفريقيا لمدة أيام ثلاثة. الخمس عشرة دولة إفريقية التي زارها الرئيس الصيني ورئيس وزرائه ووزير خارجيته هذا العام تحضيراً للقمة، دبلوماسية الزيارات هذه، تقدم مؤشراً مهماً على مكانة إفريقيا في السياسة الخارجية الصينية.

الملتقى الأول على مستوى القمة جاء بعد ملتقيين تحضيريين عقدا على المستوى الوزاري: الأول عقد عام 2000 في الصين والثاني عام 2003 في إثيوبيا دولة مقر الاتحاد الإفريقي. وستعقد القمة القادمة بعد ثلاث سنوات في القاهرة وهذا مؤشر مهم أيضاً على مكانة مصر في القارة الإفريقية وفي السياسة الصينية بشكل عام.

القمة جاءت لتتوج علاقات تطورت بسرعة ولتعطي شحنة جديدة لهذه العلاقات: وللتذكير فان حجم التبادل التجاري الصيني الإفريقي وصل إلى خمسين مليار دولار هذا العام، عشر مرات أكثر مما كان عليه عام 2000، ومن المنتظر أن يصل إلى مئة مليار دولار عام 2015. وللتذكير أيضاً فان 30% من الواردات النفطية للصين الشعبية العطشى للنفط وللمزيد منه بسبب حجم عجلتها الصناعية، تأتي من إفريقيا.

وتتبع الصين الشعبية سياسة استثمارية ناشطة في مجال الطاقة بشكل خاص في القارة السمراء فيما تنشط أكثر من ثمانمئة مؤسسة اقتصادية صينية في إفريقيا.

القمة توجه يعلن عن شراكة اقتصادية، قائمة أساساً بالفعل وتجري عملية تعميقها، شراكة اقتصادية وتنموية تشمل إلغاء ديون للدول الأكثر فقراً وتوفير قروض حكومية دون فوائد وفتح السوق الصينية أمام الصادرات الإفريقية وتوفير المساعدات العينية والفنية في قطاعات أساسية مثل قطاع الزراعة، ذلك رغم ان الاستثمار الخارجي المباشر للصين في إفريقيا مازال ضعيفاً نسبياً ولم يتخط 2, 1 مليار دولار عام 2005 من أصل 29 مليار دولار حجم الاستثمار الخارجي المباشر في إفريقيا في العام الماضي.

في علاقات القرن الواحد والعشرين بعد ان تغيرت الصين وتغيرت إفريقيا وتغير العالم، حل الاقتصاد محل الايديولوجيا كعنوان للعلاقات وحل التعاون التنموي مكان التحالف الثوروي كإطار وكمحرك لهذه العلاقات.

الحكومات الإفريقية تطمئن لا بل تنجذب لسياسة اللا تدخل في الشؤون الداخلية للآخر التي تنتهجها الصين وتعرضها لانتقادات ليست بريئة من طرف واشنطن، تطمئن لغياب «سيف» الديمقراطية المسلط فوق رؤوسها تحت عنوان شرعي ولكن بشكل انتقائي في المكان والزمان.

الحكومات الإفريقية ترتاح لعلاقات لا تتعامل معها من فوق وعلاقات خالية من أي ماض استعماري قديم أو امبريالي يخص الأمس. كما أن إفريقيا بالنسبة للصين هي منطقة جغرافية سياسية مفتوحة لا توجد فيها قيود ناتجة عن المخاوف الطبيعية من الجار الكبير كما هي الحال في آسيا أو من ضرورة الحفاظ على توازنات إقليمية دقيقة تستدعي أحياناً «فرملة» اندفاعات اقتصادية أو سياسية معينة. فالاستقرار ورفع اليد عن التدخل وليس التغيير أو دبلوماسية الإكراه عنوان السياسة الصينية في إفريقيا.

البراغماتية تحكم العلاقات بين القوة العالمية الصاعدة، القوة التي تملك احتياطياً نقدياً تخطى التريليون دولار كما تشير صحيفة الوول ستريت جورنال وبين القارة المنسية:

قارة البؤس والحروب الأهلية والدول الفاشلة وتلك المرشحة إلى ان تصبح دولاً فاشلة. براغماتية تعيد رسم الخريطة الجيو استراتيجية الدولية في نظام عالمي لم يستقر بعد هيكله وقواعده وملامحه رغم مرور عقد ونصف من الزمن على سقوط النظام القديم، نظام الحرب الباردة والثنائية القطبية.

فبين واشنطن التي تملك إمكانيات ضخمة للمساعدات وتمسك بسياسة العصا الغليظة التدخلية والفوقية وبين موسكو التي لا تملك هذه الإمكانات ولا تحمل في الوقت ذاته عصا غليظة في سياساتها الدولية على الأقل بعيداً عن فضائها الاستراتيجي المباشر، ترتاح إفريقيا وتطمئن أكثر لبكين التي لا تحمل عصا غليظة ولكنها تملك إمكانات اقتصادية هائلة وتنشط في دبلوماسية اقتصادية لها أولوية حالياً في علاقاتها الدولية ولكنها بأي حال ذات مردود استراتيجي وسياسي كبير على المدى المتوسط.

ان هذه العلاقات توفر نموذجاً، دون شك بحاجة لتطوير، لتعزيز علاقات التعاون الاقتصادي والتنموي في إطار الجنوب بين «جنوب» متقدم و«جنوب» معرض لمزيد من الانهيار والفقر والبؤس والفوضى.

كاتب لبناني