كان المشهد في بيت حانون مروعا يستثير بقايا الضمير والانسانية ويستصرخ الاشقاء والاصدقاء وكل الحريصين على حياة البشر والمنادين بحقوق الانسان والهيئات القانونية في ارجاء العالم: جثث الاطفال والنساء والشيوخ يتم اخراجها من انقاض المباني التي دمرتها القذائف الاسرائيلية العشوائية، وصراخ الامهات والاباء وعويلهم فوق اجساد فلذات اكبادهم، الذين غادروا هذه الحياة ظلما وهم يشكون الى خالقهم جبروت الطغيان وعدوان حكومة مصرة على التعامل والتحاور مع الشعب الفلسطيني بلغة القتل والحديد والنار.
ما حدث في بيت حانون ليس اول مجزرة ترتكبها القوات الاسرائيلية في قطاع غزة خاصة، وفي الاراضي الفلسطينية على وجه العموم : فقد سقط المئات من الشهداء وغالبيتهم من المدنيين الفلسطينيين منذ الاجتياح الاسرائيلي للقطاع قبل اربعة شهور ونيف، ومع استمرار الحملات العسكرية الروتينية على الضفة الغربية. وقد وصل الامر برئيس الوزراء الاسرائيلي ايهود اولمرت حد التباهي بارتفاع عدد- الشهداء الفلسطينيين الذين سقطوا خلال هذه الفترة برصاص قواته وقذائفها وصواريخها وكأن نجاح حكومته يتوقف على الرقم المتصاعد للضحايا الفلسطينيين، بغض النظر عن الاساليب القمعية المستخدمة في التعامل مع الشعب الفلسطيني المطالب بحقوقه الوطنية المشروعة والملتزم بانتهاج العملية السلمية والمفاوضات سبيلا الى التوصل لهذه الحقوق.
وهذا النهج الاسرائيلي باعتماد الحل العسكري لقضايا يفترض ان تحل سياسيا، ليس جديدا او من بنات افكار اولمرت ووزرائه فمنذ البداية اختارت القيادات الاسرائيلية المتعاقبة اسلوب الردع العسكري وايجاد احساس بالنقص لدى الجيران العرب والشعوب بالتفوق الاسرائيلي الكاسح على الدول العربية مجتمعة، ومواجهة كل عمل عنف يصدر عن الجانب الفلسطيني او العربي بعشرة اضعافه. وكانت النتيجة الحتمية لهذا الاسلوب المتشدد هو التصعيد الاسرائيلي في ارتكاب اعمال القتل والتدمير والاعتقال، وما حدث في لبنان خلال الصيف الماضي من تدمير شامل للبنى التحتية اللبنانية، متزامنا مع ما هو مستمر من نشاطات القصف والاغتيال والمجازر في قطاع غزة، ما هو الا الصورة النهائية حتى الان لما يمكن ان يصل اليه العنف الاسرائيلي من تجاوز عن القيم والمثل وانتهاك لحقوق الانسان وللمواثيق الدولية، التي تنص على حماية المدنيين زمن الحروب والمواجهات.
والمؤسف بل المحزن المبكي في آن معا، هو ان ردود الفعل العربية والدولية على هذه المجازر الاسرائيلية ما تزال هادئة. وكأن ما يحدث في القطاع والضفة الغربية امور تتعلق بما يسمى »حق اسرائيل في الدفاع عن النفس«. وهو المصطلح الذي استخدمه ناطقون رسميون اميركيون واوروبيون فهل قتل اطفال بعضهم في السنة الاولى من عمره، ونساء منهمكات في تدبير شؤون منازلهن يدخل في اطار الدفاع عن النفس؟ وهل كان هؤلاء الضحايا يهاجمون اسرائيل عندما مزقت القذائف الفتاكة اجسادهم؟ هذان سؤالان برسم العالم المتحضر الذي يدعي الالتزام بالمحافظة على حياة الانسان وصونها من الاعتداءات وحماية البشرية من التجاوزات لشرعة حقوق البشر، والمبادىء الانسانية السامية.
ويتطلع الفلسطينيون الان الى مجلس الامن الدولي الذي يناقش مجزرة بيت حانون، لمعرفة ما اذا كان هذا المجلس سيرقى الى مستوى الامن الدولي الذي يحمل اسمه وهل سيوفر الامن لشعب ظل محروما منه منذ ستة عقود، ام ان المصالح والمنافع والترغيب والاحراج ستلعب دورها في القرار الذي ستتمخض عنه اجتماعات المجلس ربما ليعطي ضوءا آخرا لاسرائيل يتحمل المجتمع الدولي وزر اطلاقه، لتواصل سياساتها واعتداءاتها ضد شعب اعزل محاصر، يتجرع اقسى الوان المعاناة، دون ان يجد من يقف بجانبه او يحميه من الاعتداءات المتواصلة والممارسات الجائرة ويضيء له النور المنشود في آخر النفق المظلم الطويل.