ما الذي يدفع الرئيس جاسم الخرافي الى وضع احتمال حل مجلس الأمة في التداول? ما الذي يدفع هذا الرئيس الى المناداة بدخول نظام عمل الاحزاب, والخلاص من التيارات المتوالدة على خلفيات دينية وقبائلية, وطائفية وعائلية?
الواقع السياسي الراهن هو الباعث على هذه التساؤلات حيث الهيبة أصبحت مفقودة, والجعجعة من دون طحن هي الخبز اليومي للسياسيين, والتهافت على المطالب من كل نوع من اجل مراكمة رصيد الشعبوية هي الشغل الشاغل للنواب.. هذا الواقع هو الذي يدفع الرئيس الخرافي وغيره الى التساؤل عن مصير مؤسسة مجلس الامة ولما تبدأ بعد اعمالها, والى إدراج التوقعات التي تؤشر بحدة الى عدم الاستقرار, والى شبه شلل يصيب عمل النظام العام.
والحقيقة المرة تقتضي منا الاعتراف بأنه اذا كانت الديمقراطية تمثل جوهر المعتقد الغربي والحضارة الغربية, الا ان هذه الديمقراطية لا يصح إطلاقها كتعميم عام بحيث ان ما يصلح للمجتمعات الغربية يصلح لمجتمعات البداوة.
لقد اعتمدنا النظام الديمقراطي كنقطة عبور تنقلنا الى مجتمعات الحداثة, والى تقاليد الحريات العامة وسيادة القوانين. والذي تبين, وبعد أكثر من أربعين سنة على التطبيق, ان هذه الديمقراطية تحولت الى إطار نستخدمه في حياتنا العامة بما يساعدنا على إطلاق عاداتنا وتقاليدنا بكل جموح مشفوعة بغرائزنا وشخصانيتنا التي تسمح بارتكاب افعال ما قبل ظهور الدولة الحديثة, والعودة الى الخصوصية الموروثة, ومن أهم عناوينها الجنوح الى العمل الفردي, والسعي الى ابراز المجهودات الذاتية الانانية, وهي خصوصية تنفي العمل المؤسساتي وتحرض على الاستئثار السلطوي وعلى التفرد.
يضاف الى ذلك ان جو الحريات الذي وفره النظام الديمقراطي الذي نؤمن به وندعو بشدة الى المحافظة عليه, أتاح الفرص لمن لا يستحقها, فبدأ باطلاق الكلام على هواه, دون تمييز بين النقد والشتائم, وبين ممارسة الحق الرقابي والتشهير, وبين استعمال الصلاحية الدستورية وتوجيه الاهانات الشخصية... الحرية استعملناها لاطلاق الغرائز, والدستور أشهرناه في وجوه بعضنا البعض دون الاعتراف بما رسمه من حدود فيما بين المختصمين, والرابح فينا دائما هو صاحب الصوت الاعلى لا صاحب الصوت الدستوري.
المشهد السياسي برمته تحول الى أوركسترا تعزف النشاز اذ لا ضابط للعازفين, ولا ارادة جماعية تضمن التناغم بين معزوفاتهم وآلاتهم, وهذا المشهد لوحده يكفي للدلالة على الفوضى, وعلى عدم الاستقرار, وعلى الاستنساب السياسي خارج مواد الدستور ونصوص القوانين.
فقدان الهيبة على كل المستويات هو الذي جعل من لقاء السلطات جحيما, ومن تعاونها عملا مستحيلا, وهو الذي فتح مجالات التجرؤ بلا ضوابط, وأصبح بموجب ذلك الصوت الاعلى صراخا هو الصوت الفائز بالغنائم بينما المطلوب هو عكس ذلك, اي ان يصبح الدستور والقوانين ومفهوم الدولة هو الراسخ في دوافع العمل على حساب عقلية نشر الفوضى, وحب الاستحواذ, وعدم الاعتراف بمتطلبات الدولة الحديثة, وبما لها وبما عليها.
فهل من صالحنا ان تفقد الدولة هيبتها, وهل من صالحنا ان تتحول الى قرص من العسل الكل يريد ان ينهل منه من دون رادع قانوني, ومسوغ دستوري? وهل من صالحنا ان تنعدم الثقة بين المؤسسات? وهل من صالحنا وصالح مستقبلنا إفساد العلاقة بيننا وبين الدولة, او بناءها على قاعدة صراعية خلافية تشتت المواقف والاراء بين ما هو وطني وبين ما هو غير ذلك? وهل من صالحنا ان تقوم العلاقة بين الحكومة والمجلس على قاعدة الشك والريبة, والتأزيم, والتصعيد السياسي فلا ينتج عن ذلك عمل, اي لا ينتج المجلس تشريعا, ولا تنتج الحكومة تنفيذا?
وهل من صالحنا ان يكون لدينا محفل سياسي يقوم وجوده على الخوف والتربص وتوقع غير المتوقع وحدوث ما هو غير مرغوب فيه. يجب على الجميع, ابتداء من رأس الهرم, ان يستدركوا هذه المسألة فلا تفسد العلاقة بين الدولة الكويتية وشعبها, والمهمة هنا سهلة تتعلق باستعادة الهيبة المفقودة, وبالقضاء على كل من يريد إفساد العلاقة بين الدولة والشعب, كما قلنا, باجراء المصالحة بين الطرفين, وبجعل هذه المصالحة هي العنوان الاول للعمل الوطني وليس العكس.
احمد الجارالله