التلكؤ الشديد في أروقة مجلس الأمن في مناقشة المجزرة الإسرائيلية الوحشية في بيت حانون ، والجهد الواضح لتعطيل اتخاذ قرار أو على الأقل الضغط باتجاه عدم تضمين إدانة لإسرائيل في مجلس الأمن ، مؤشر آخر على أن هذا المنبر الذي من المفترض أن يكون ساحة عدالة للمستضعفين والمقهورين ، قد تحول إلى حلبة خاضعة للسيطرة الإسرائيلية ولمنطق القوة الأميركي وتبريرا وتغطية لكل الجرائم الإسرائيلية.
لا يريد العالم أن يفهم ابدا أن الصبر العربي والإسلامي قد وصل إلى نهايته ، وأن مثل تلك السلوكيات المائعة في مجلس الأمن والمؤسسات التي يفترض أن تمثل "المجتمع الدولي" سوف تدمر كل نوع من الثقة التي كان الرأي العام العربي يفترضها في مجلس الأمن ، وهذا يعني تقوية كل المواقف السياسية المتطرفة التي تدعم نظرية فقدان الشرعية الدولية وأن الأمم المتحدة أصبحت ذريعة سياسية وقانونية لتحقيق الأهداف الإسرائيلية وحماية الجرائم الوحشية التي ترتكبها تلك الدولة المارقة.
فقدان الثقة بالأمم المتحدة في الأساس مطلب إسرائيلي - أميركي مشترك ، بحيث تتاح الفرصة للدولتين لممارسة كل خروج عن القانون الدولي بدون رادع. وفي الوقت الذي يجب أن تدافع فيه الأمم المتحدة عما تبقى من مصداقيتها المتآكلة من خلال توجيه اصبع الاتهام والإدانة للمجرم الحقيقي في المنطقة ، وهو الدولة العبرية التي تنتهك كل قيم الإنسانية والتعايش وحقوق الإنسان وتقتل الأطفال والنساء والشيوخ ، وتمارس سياسات الحصار والتجويع والإذلال ، نجد مجلس الأمن ألعوبة بيد إسرائيل ، ونجد المندوب الإسرائيلي لا يكتفي فقط بعدم الاعتراف بالجريمة في مجلس الأمن ، بل يهدد بتكرارها وعلى مرأى ومسمع من ممثلي دول ، يفترض أن تكون عظمى ولكنها في الواقع أصبحت خانعة فيما إذا كانت ترفض السياسة الإسرائيلية ، ولا تستطيع مجابهتها أو على أقل تقدير متواطئة مع إسرائيل في حال وافقتها على جرائمها.
مجلس الأمن يندفع فورا لإدانة اية عملية انتحارية تقوم بها تنظيمات فلسطينية غير رسمية ، وتعبر عن غضب متزايد من الشارع العربي ضد السياسات الإسرائيلية ، ويستخدم المجلس كل مصطلحات الرفض والشجب والتهديد باستخدام القوة في حال تعرضت إسرائيل لأية عملية مهما كانت محدودة ، ولكنه يطالب العرب والفلسطينيين بما يسميه "ضبط النفس" كلما ارتكبت إسرائيل جريمة جديدة ضد الإنسانية ويقدم طوق النجاة الدولي لإسرائيل حتى لا تتم إدانتها ، ويؤكد المجلس على حق إسرائيل "في الدفاع عن النفس".
سياسة الكيل بمكيالين من أهم العوامل التي تؤدي إلى زيادة عدم الثقة لدى الرأي العام العربي والشارع الفلسطيني بالذات ، وهذا يعني التوجه الطبيعي نحو ردود أفعال عسكرية والقناعة بطروحات التنظيمات الرافضة للعملية السلمية. وحتى المعتدلون جدا في العالم العربي باتوا مقتنعين بأن إسرائيل لا تفهم سوى لغة القوة وأن ما يسمى "المجتمع الدولي" غير قادر على لجم هذا العدوان.
وعلى كل حال ، يبقى الواجب دائما هو في توحيد الصف العربي وراء الحق الفلسطيني وممارسة سياسات وإجراءات ضاغطة على إسرائيل ضمن سياق العدالة الدولية ، والتي يجب أن تبقى مرجعا حتى لو كان نظريا لحماية عدالة القضية الفلسطينية ، فالمطلوب تقوية استقلالية مجلس الأمن ، وليس فتح المجال للفوضى التي هي الهدف الأساسي لإسرائيل.