بعد فوز الديموقراطيين نتيجة تعدد أخطاء حكومة بوش التي جاءت إليها فرص النجاح بعد أحداث 11سبتمبر، حين تعاطف العالم كله مع أمريكا لفداحة الاعتداء،

لكن بوش خالف جميع الاتجاهات بأن حاول أن يجعل موضوع سبتمبر اتجاهاً لفرض سياسة أمريكا بالقوة، فاختار شن حربين على أفغانستان والعراق، رافضاً أي رأي حليف أو صديق، وضارباً بمجلس الأمن، والأمم المتحدة عرض الحائط بهاجس أن إلهاماً إلهياً جاءه ليكون قائد النماذج الإصلاحية في العالم، حتى أن توليفته الحكومية التي سميت بقوى اليمين المتطرف حين وصف وزير الدفاع رامسفيلد أوروبا بالقارة القديمة شبه المتقاعدة، فالنتيجة فشل في العراق وأفغانستان، وبروز قوتين آسيويتين هما الهند والصين، وتنامي الإرهاب العالمي وتفشي تهريب المخدرات إلى قلب أمريكا وكشف بشاعة سجون العراق، وغوانتاناموا، والسجون الطائرة، وضعف حليفه بلير الذي واجه نفس الانتقادات..

هذه الصور مجتمعة أعطت الديموقراطيين أصوات الشعب الأمريكي وبما يشبه توجيه إنذار غاضب على سلوكيات حكومة بوش، فهل متواليات هذه السياسة سوف تعيد أمريكا النظر في تدخلاتها بالمناطق الساخنة التي كلفتها نزيفاً مادياً وبشرياً وعداء غير مسبوق من العالم، لتنطوي على ذاتها، كما كان ينادي الكثير من أصحاب الرأي في الداخل الأمريكي؟..

ثم هل يصاحب هذا الاتجاه الالتفات إلى جارتها أمريكا الجنوبية؟.. وبدلاً من عودة اليسار لبعض الحكومات، وتشييد شعار الاسمنت العازل بينها وبين المكسيك أن تتحول إلى الاعتدال والتنمية المشتركة حتى لا تقفز الصين لتلك القارة مثلما فعلت مع أفريقيا، ليكون الطوق الاقتصادي أخطر من نشر القواعد العسكرية عليها من زحف الصين القادم؟

أمريكا لا تزال القوة المنفردة بكل شيء، لكنها الخاسر الأكبر إذا ما استمرت سياسة البندقية بدلاً من فتح أبواب الدول وفق منهجية سياسية بعيدة عن كبرياء القوة التي سجلت فشلها مع بلدان صغيرة، وتنشيط دور مجلس الأمن والأمم المتحدة، ورؤية نزاعات العالم بعين القاضي المنصف بدلاً من المنحاز، مع إدراك أن الكون تغير بشكل غير مسبوق بإلحاحه على الاستقلالية وحماية ممتلكاته وحرياته العامة، وأن تعود أمريكا إلى مثلها العليا التي رسمها وخطط لها المؤسسون العظام بحماية الإنسان وبيئته من الدمار الشامل..