بيت حانون أم بيت الدم، كلاهما واحد، حيث أزهقت آلة الحرب الإسرائيلية، أرواح عشرات الفلسطينيين من الأطفال والنساء والشيوخ، في مجزرة جديدة يسجلها التاريخ لقادة إسرائيل، لتضاف إلى جرائمهم السابقة في دير ياسين وقانا وغيرهما الكثير.

ولعل السؤال الأهم الآن هو: على من تقع مسؤولية هذه المجازر التي يندى لها جبين البشرية؟ وأين العالم الغربي الذي طالما حدثنا عن حقوق الإنسان؟ وهل تجرؤ واشنطن والعواصم الغربية على أن تصف ما حدث في بيت حانون من قتل وتشريد وتدمير بأنه إرهاب؟ وان لم يكن كذلك، فما هو الإرهاب في نظرهم؟

ورغم مأساوية الوضع وخطورته، فإن بيان الرئيس بوش الصادر عن البيت الأبيض (وكعادته) اكتفى بالدعوة إلى ضبط النفس، بعد أن اعتبر الإجرام الإسرائيلي (دفاعاً عن النفس). كما لم يتضمن بيان بوش توبيخاً أو انتقاداً لإسرائيل التي من المنتظر أن يلتقي رئيس حكومتها مع الرئيس الأميركي يوم الاثنين المقبل بواشنطن.

وإذا كان الرئيس بوش منشغلاً بهمومه الداخلية، وخسارة حزبه للأغلبية في مجلسي النواب والشيوخ لصالح الديمقراطيين، فإن مواقف العواصم الغربية لم تكن أفضل حالاً،، فالدول الأوروبية الكبرى لم تحرك ساكناً، سواء على المستوى السياسي أو حتى على مستوى تقديم الدعم للشعب الفلسطيني.

أما الأمم المتحدة، فقد جاء موقفها مجسداً لرؤية الدول الكبرى، وفى هذا الإطار اكتفى كوفي عنان بالقول (إنه صدم للهجوم الصاروخي الذي شنته إسرائيل على قطاع غزة وأسفر عن مقتل 19 فلسطينياً، وانه يحمل إسرائيل مسؤولية ذلك. ولم ينس عنان أن يقدم التعازي لعائلات الضحايا. أما مبعوث المنظمة الدولية لحقوق الإنسان جون دو جارد، فقد وجد في الجريمة الإسرائيلية الأخيرة في بيت حانون فرصة ليذكر العالم بجريمة إسرائيلية مماثلة وقعت في شهر يونيو الماضي، وراح ضحيتها أكثر من 300 شهيد فلسطيني بينهم العديد من المدنيين، مشيراً إلى تجاهل المجتمع الدولي لها.

وإذا كان بوش منغمساً في مشكلاته الانتخابية، وعنان يستعد للرحيل عن منصبه، والعواصم الغربية تحاول إرضاء واشنطن ولا تذهب بعيداً في انتقادها لإسرائيل، فما هو عذر عواصمنا العربية وهى ترى بأم أعينها الدم الفلسطيني يُسال يومياً في بيت حانون وفى كل بيت فلسطيني؟ وما هو المنتظر من لقاء وزراء الخارجية العرب إن اجتمعوا بناءً على دعوة عمرو موسى؟ وهل الفلسطينيون في حاجة إلى مزيد من بيانات الشجب والاستنكار؟ بالتأكيد (لا).

يعرف ذلك رجل الشارع البسيط الذي يتحسر ويتألم بحرقة وهو يرى آلة الحرب الإسرائيلية تعيث فساداً في المدن الفلسطينية ويعرف ذلك كل مواطن عربي حر يأبى على نفسه أن يرى هذه الصورة العربية الهزيلة، إدراكاً ويقيناً منه أن أمتنا تملك بدائل كثيرة لوقف هذه المجازر وإجبار إسرائيل على احترام الحقوق الفلسطينية، بل وإجبار واشنطن والعواصم الغربية على اتخاذ مواقف منصفة تفرق بين المقاومة والإرهاب المنظم الذي يمارسه أولمرت ورفاقه.

أما رفاق الدرب الواحد وهم الفلسطينيون، فهم أحوج ما يكونوا اليوم إلى الارتفاع فوق جراحهم وتنحية خلافاتهم جانباً ومواجهة المحنة بروح الفريق الواحد. وإذا كان التبرع بالدم قد جمع عباس وهنية على فراش واحد معاً، فإن الدم الفلسطيني المراق في بيت حانون أولى وأدعى كي يلتقيا على قلب رجل واحد، ويتفقا على كيفية اجتياز هذه المرحلة الصعبة من تاريخ النضال الفلسطيني.

haniihanii@hotmail.com