قبل صدور الحكم على الرئيس المخلوع صدام حسين في قضية الدجيل طالب رئيس الوزراء نوري المالكي الشعب العراقي بالانضباط في التعبير عن فرحته، وفي الوقت ذاته فرض حظر التجول في بعض المحافظات.

وعند صدور الحكم، وبينما هو في قفص الاتهام، هتف صدام «عاش الشعب العراقي»، مشوشاً على صوت القاضي وهو يصدر حكمه عليه بالإعدام.

وهكذا كان المالكي يعتصم بالشعب وهو في قمة زهوه ونشوته، وكذلك كان صدام يعتصم بالشعب أيضاً وهو يواجه حكم الموت. وكأن كلا الرجلين يحاول البحث لنفسه عن شرعية يثبت بها صحة موقفه. الأول من موقع المستأسد، والثاني من موقع الضحية.

وقد اعتبر المالكي أن الحكم بإعدام صدام انجازاً لحكومته، ولم يخف ذلك بقوله «إن حقبة صدام وحزبه قد طويت من تاريخ العراق» في الوقت الذي كان صدام يهتف باسم الشعب ليسحب الشرعية عن الحكم الصادر بحقه.

وبين المالكي وصدام كان الشعب العراقي شبه منقسم إزاء الحكم، فمنهم من فرح له، ومنهم من اعتبره جائراً وغير عادل، فكل منهم كان يدرك أن الحكم للسياسة وليس للقانون.

وكأن الرئيس المخلوع ورئيس الوزراء تناسيا عمداً وهما يخاطبان الشعب العراقي، أن هذا الشعب يرزح تحت دبابات الاحتلال، وإن أرض العراق لا شرعية فيها لقانون أو لدستور، فالكل مسحوق تحت جنازير الدبابات الأميركية، وهي وحدها صاحبة الأمر والنهي، فهي التي أتت بصدام سجيناً، وهي التي أتت بالمالكي رئيساً للوزراء.

إن المالكي وصدام يمثلان الصورة وظلها، فكل منهما استمد ويستمد سلطته من القوى الخارجية، دون أي اعتبار للشعب الذي حاول كل منهما التحدث باسمه، فصدام كان حليفاً لأميركا عندما قتل نظامه أهل الدجيل، وعندما قتل الأكراد، وعندما غزا إيران وحاربها لعشر سنوات. واليوم يلعب المالكي وحكومته وفق القواعد نفسها مع تحول العراق إلى بلد محتل، وإذا كان صدام ونظامه من مسببات الاحتلال، فإن المالكي ونظامه هم إفراز لهذا الاحتلال. فهو يعتبر نفسه حليفاً لأميركا، بقوله فور إنذار الرئيس بوش له «أنا صديق لأميركا ولست عميلاً لها».

وقد يأتي يوم تطيح فيه أميركا بالمالكي وحكومته، مثلما أطاحت بالدكتور إبراهيم الجعفري وحكومته، ومثلما أطاحت من قبل بصدام حسين ونظامه، كلهم ـ كانوا وما زالوا ـ أصدقاء أميركا بشكل أو بآخر، وهم في موقع الحكم، دون أن يكون للشعب العراقي حضور في حساباتهم، فصدام مثلاً لم يتذكر هذا الشعب ولم يهتف باسمه إلا وهو يواجه حكماً بالموت، وهو الذي كان الموت لعبته ضد العراقيين إبان حكمه، أما المالكي فإن مشاهد الجثث اليومية، وأخبار فرق الموت، وزنزانات التعذيب في أقبية وزارة الداخلية ومغاوير الشرطة كلها شهود نفي لمصداقية حديثه باسم الشعب.

ولو تغيرت المواقع بينهما لقال صدام ما قاله المالكي، ولقال المالكي ما قاله صدام، فكلاهما يعتصم بالشعب بحسب مصدر قوته وسلطاته. إنها لعبة الكراسي الموسيقية، فمن يرضى عنه الزمار يستطيع الوصول إلى كرسيه، ويحافظ عليه، ومن يرفضه الزمار فلا مكان له، ولا فرصة له في الفوز.

إن المشترك الحاضر في تاريخ العراق وحاضره هو الموت والمذابح المستمرة، فرغم تغير المراكز السياسية، إلا أن الشعب العراقي يظل غارقاً في بحور الدم والجثث الجماعية، من الدجيل إلى الأنفال إلى البصرة في عهد صدام، وصولاً إلى الحالة الدموية لتشمل عموم العراق في عهد المالكي. ولذا فإن من المستغرب أن يتحدث كلا الرجلين باسم الشعب العراقي وهم من لعب ويلعب دور الجلاد سواء مباشرة أو بالتواطؤ والفشل.

وفي اعتقادي أن من يملك الحق في الحديث باسم الشعب العراقي هم من يقاومون الاحتلال فعلا، ويقوضون وجوده واستقراره، فهؤلاء هم من يضحون بأنفسهم من أجل شعبهم وأرضهم. وهؤلاء من سيدعون العراقيين ذات يوم للفرحة بلا انضباط عندما يتحرر العراق من الاحتلال الأميركي وأعوانه، ويومها سيهتف العراقيون معهم «عاش الشعب العراقي». وسوف يكون ذلك في غير حضور صدام أو المالكي.