بالرغم من ان تاريخ العلاقات بين مصر والاتحاد السوفييتي ووريثته الشرعية روسيا يزيد على ستين عاماً، شهدت خلالها هذه العلاقات تغييرات في أولويات محاورها السياسية والاقتصادية. إلا أنها لم تأخذ حتى الآن منحى الشراكة الاستراتيجية، بل انها لم تصل خلال السنوات العشر الأخيرة للمستوى الذي كانت عليه خلال فترة الستينيات من القرن الماضي. وذلك بالرغم من توفر الإرادة لدى قيادتي البلدين لتطوير وتعميق علاقات التعاون الثنائي.

وكان التعاون الاقتصادي بين موسكو والقاهرة قد بدأ منذ عام 1948 بعد توقيع الاتفاقية الاقتصادية الأولى حول توريد القطن من مصر مقابل الحبوب والأخشاب والمنتجات الأخرى من الاتحاد السوفييتي، وتمكن خلال اقل من عشر سنوات أن يتوسع ويتعمق ليصل لأفضل مستوياته في عام 1958 بعد توقيع اتفاقية حول تقديم مساعدة اقتصادية وتقنية لمصر في بناء سد أسوان العالي، والذي أنجز بناؤه عام 1971. وخلال هذه الفترة قدم الاتحاد السوفييتي لمصر معونات في تحديث القوات المسلحة بدءاً من السلاح وانتهاء بالخبراء، كما تم تشييد حوالي 100 منشأة صناعية في مصر بمساعدة الاتحاد السوفييتي.

ومنذ عام 1982 بدأت الحكومة المصرية في اتباع سياسة تطبيع العلاقات تدريجيا مع الاتحاد السوفييتي، ثم مع روسيا في الأعوام اللاحقة، حتى تم توقيع بيان حول مبادئ علاقات الصداقة والتعاون وبرنامج طويل الأمد لتطوير التجارة والتعاون الاقتصادي والصناعي والعلمي التقني عام 2001، خلال مباحثات أجراها الرئيس المصري حسني مبارك مع الرئيس فلاديمير بوتين في موسكو.

وتم الاتفاق على برنامج طويل الأمد لتنمية التجارة والتعاون الاقتصادي والصناعي والعلمي التقني المخصص لعشر سنوات. وبلغت قيمة التبادل التجاري في عام 2003 نصف مليار دولار، أي 2%من إجمالي تجارة مصر الخارجية، وشكلت التقنيات الإنتاجية والمعدات حوالي ثلث صادرات روسيا إلى مصر. وخلال العام الحالي بلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين ملياراً و600 مليون دولار، منها مليار و100 مليون صادرات روسية.

وقد بدأت المؤسسات الروسية في تنفيذ عدة اتفاقات مع الحكومة المصرية حول إعادة تأهيل عشرات المؤسسات والمنشآت التي شيدتها مصر بمساعدة الاتحاد السوفييتي. ومن ابرز هذه الاتفاقات تبديل وحدات توليد الكهرباء في محطة الكهرباء التابعة للسد العالي والتي يبلغ عددها 12 وحدة دخلت حيز العمل منذ أكثر من 37 سنة، بوحدات جديدة.

وقد أعلن الرئيس المصري حسنى مبارك أن بلاده تدرس أمكانية إحياء برنامجها النووي، وتطوير صناعة الطاقة النووية و التوسع في استخدامها للأغراض السلمية، ولم يستبعد أن يتم ذلك بالتعاون مع الشركات الروسية. وأكد أن مصر ترى في روسيا شريكا محتملا في مجال تطوير قطاع الطاقة الذرية المصري.

كما نشرت وسائل الإعلام انباء أكدت أن وزارة الكهرباء والطاقة المصرية قد أقرت خطة لبناء 3 محطات كهرذرية في بلدة الضبعة على ساحل البحر المتوسط. ويتوقع أن تكون هناك منافسة شديدة على الفوز بعقود إنشاء ثلاث محطات نووية لتوليد الكهرباء في مصر. وقد سبق الحوار حول تعاون موسكو والقاهرة النووي، اتفاق بين الرئيسين بوتين ومبارك على إقامة منطقة صناعية في مصر بمشاركة رؤوس الأموال والتقنيات الروسية.

وإذا كانت تجارب التعاون السياسي بين موسكو والقاهرة تحمل ذكريات متباينة بالنسبة للجانبين، إلا أن التعاون الأقتصادى المصري الروسي يعتبر الجانب الإيجابي الذي لم يتعرض لهزات تباين المصالح السياسية، إذ لم يقتصر على تسوية ملفات الديون بما يحقق مصالح روسيا، وانما توسع ليصبح تبادل الاستثمارات بين البلدين أحد أهم اشكال التعاون، حيث تصل الاستثمارات المصرية في روسيا إلى 500 مليون دولار، بينما تقدر استثمارات الشركات الروسية في مصر بحوالي 250 مليون دولار.

ولعل هذا الوضع هو الذي دفع موسكو للتفاؤل بإمكانية التعاون مع القاهرة في احياء البرنامج النووي المصري، خاصة بعد أن حققت روسيا انتصارا باهرا بفوزها بمناقصة إنشاء المحطة الذرية في بلغاريا، و الذي يعني عمليا عودة روسيا إلى السوق الأوروبية لإنشاء المحطات الذرية. حيث قدمت روسيا أفضل نموذج لمحطة كهرذرية فعالة من الناحية التقنية وتتميز بالأمان لأقصى درجة.

ويؤكد خبراء وكالة الطاقة الذرية الروسية أن هذا النموذج من محطات توليد الطاقة مناسب للمشروع المصري، حيث تطابق «محطة كهرذرية ـ 92» كافة المواصفات العالمية. ويعتمد المشروع على مفاعلين من طراز « ماء ـ 1000» (مفاعل نووي بقدرة 1000 ميغاواط ذو مهدئ مائي للنيترونات)، إضافة لوجود منظومات السلامة الأساسية الفعالة والثانوية المساعدة مما يتيح ضمان أقصى مستوى حماية للمحطة الكهرذرية.

ويبدو أن المشروع المصري سيثير الغبار خلال الفترة القادمة، باعتبار أن الصراع الدائر بين الشركات الغربية والروسية بهدف السيطرة على اسواق الطاقة النووية، سيحتدم في ظل تفاقم حدة ازمة البرنامج النووي الإيراني، واذا كانت روسيا قد تمكنت من الدخول إلى السوق الأوروبي عبر البوابة البلغارية، وتحاول الدخول إلى السوق الصيني، فإن الشركات الأميركية مازالت تسيطر على الأسواق الآسيوية (الهند وباكستان).

مما قد يزيد حدة المنافسة فتح الأسواق العربية التي بدأت تشعر بخطورة أزمة الطاقة المتوقعة خلال النصف الثاني من القرن الحالي. ويصعب رسم سيناريو الصراع للفوز بالسوق المصري والعربي بشكل عام. إلا انه بالتأكيد لن يكون بقسوة الصراع حول السوق الإيراني، ليس فقط بسبب تمكن روسيا من اثبات حقها في التواجد في سوق الطاقة النووية، والتمسك به، وانما لأن أهداف المستهلكين العرب في هذه السوق ابعد ما تكون عن استخدام الطاقة النووية في أغراض عسكرية، استنادا إلى سياسات الحكومات العربية، التي تحرص على تحسين علاقاتها مع الغرب، وتجنب تصعيد التوتر في المنطقة، والتجاوب مع السبل السلمية لحل الخلافات.

وتؤكد القاهرة أن خيارها الاستراتيجي الوحيد هو السلام، مما يعني بالضرورة أن مساعيها لامتلاك الطاقة الذرية تستهدف حل مشاكل الطاقة التي تواجهها. بل ان تجميد القاهرة لمشروع احياء برنامجها النووي في الثمانينات من القرن الماضي ربما يعبر عن حرصها على عدم تجاهل مصالح وآراء الدول الكبرى.

إن انفتاح الأسواق العربية نحو استيراد تقنيات استخدام الطاقة الذرية في الأغراض السلمية سيثير شهية كل الشركات العاملة في هذا المجال، ولكن لا يجب أن تكون المنافسة عبر الأساليب السياسية وتصعيد الأزمات السياسية لإزاحة هذا الطرف أو ذاك، لأن هذا الأسلوب يؤثر سلبا على أداء اسواق الطاقة النووية، بل ويضر بمجمل الأنشطة الاقتصادية للعديد من دول العالم، وهو بالتأكيد ليس اسلوبا نزيها في المنافسة لتوسيع وتطوير النشاط الاقتصادي للشركات العاملة في الأسواق العالمية.

كاتبة روسية