انقلبت الآية فلن تكون هنالك حرب بدون سوريا ولا سلام بدون مصر فماذا قلب هذه المعادلة؟ خاضت مصر في حقبة الرئيس السادات حرب السادس من أكتوبر 1973 لحلحلة الجمود والوضع السياسي في الشرق الأوسط وإيجاد مركز استراتيجي عالمي جديد لمصر، وما كان السادات ان يقوم باستخدام الخيار العسكري إلا بعد ما فشلت محاولاته من إحلال اتفاقية سلام والتي قدمها في فبراير 1971 ورفضتها الحكومة الإسرائيلية على الرغم من أنها تتماشى والسياسة الخارجية الأميركية ولم تعترض عليها أميركا على ذلك (نعوم شومسكي من كتاب الدولة الفاشلة 2006 ص 173).

هل التاريخ يعيد نفسه؟ هل قامت سوريا بالسعي لإيجاد مركز استراتيجي عالمي لها وباءت بالفشل؟ وهل كانت المناوشات في لبنان بين حزب الله وإسرائيل لحلحلة وضع متجمد؟ ماذا حدث بعد ذلك، لم تتحرك إسرائيل أو بالواقع لم تعترف بالواقع الجديد بعد هزيمتها في لبنان والذي يتطلب رؤية جديدة، بل اتجهت بعزل سوريا واعتبار حزب الله مؤسسة إرهابية وقام حلفاؤها بتطويق حزام أمني مقدم من الأمم المتحدة لحمايتها.

وبالرغم من ذلك أعربت سوريا مرة أخرى عن استعدادها للمفاوضات، إن لم تضغط هذه المرة أميركا على إسرائيل لتتوصل لاتفاقية سلام مع سوريا وإنهاء الوضع الفلسطيني الذي يبدأ باعتراف مباشر وكامل من قبل أميركا بالدولة الفلسطينية، وخلافا لذلك فإننا مقبلون على وضع مدمر.

ان لتصريح الرئيس بوش حول محور الشر أتى خاليا من الدبلوماسية وكان بمثابة إعلان حرب على سوريا وإيران، فما كان لهاتين الدولتين إلا تنمية علاقاتهما الاستراتيجية وبناء وضع جديد لإبراز أهميتهما في المنطقة وما قد ينتج عن ذلك للوقوف أمام الولايات المتحدة، ويعتقد الكثير بأن حرب لبنان كانت احدى نتاج هذا التحالف.

قلبت حرب لبنان مفاهيم كثيرة في أساليب الحرب الحديثة، فأصبح التميز العسكري التقني والطاقة التدميرية أمام التقنيات البسيطة وغير المتميزة ليس ذا أهمية، فالصواريخ والقنابل الذكية لتدمير مراكز القيادة والاتصالات ليست ذات جدوى، بل ان الطاقة التدميرية المستخدمة على المدنيين أكبر من ذلك، فاعتماد حزب الله على «الوكي توكي» (تجده في محلات ألعاب الأطفال) كوسيلة اتصال مفتوح بين القادة في الميدان، إضافة لهذه المرونة فالعدو لا يستطيع الاستماع لهم عن طريق الأقمار الصناعية أو تحديد مكان تواجدهم.

أما حزب الله فأضاف قليلا من الذكاء لصواريخه باستخدام الانترنت لتحديد المواقع المستهدفة واتجاه وسرعة الرياح ثم تصويبها نحو الهدف، نعم لم تكن دقيقة كمثيلتها من الأسلحة الذكية فقد أطاحت بكثير من المدنيين الأبرياء، انها الحرب والجميع خاسر، على الرغم من أن هذه الحرب كان مخطط لها سابقاً فقد فشلت إسرائيل في تحقيق أي نصر استراتيجي ضد العرب، وقد أبلت صواريخ مستخدمة في إدخال الرعب ليس من حماس وحدها بل من حزب الله فما بالك إذا أمطرت الصواريخ يومياً على إسرائيل. إنها حرب الصواريخ، ماذا سيكون رد الولايات المتحدة لسيناريو كهذا؟

لقد أرعب إعلان بوش لمحور الشر كلا من سوريا وإيران حين كان في خضم انتصاراته في العراق فوضع الكثير من الأوراق على الطاولة، ولكن في غطرسة هذا النجاح الأميركي في الميدان العراقي هبت الرياح على هذه الأوراق، ويبقى الأمل أن الطاولة لم تطرح أيضاً مع الأوراق، هذا وقد عبر نعوم شومسكي عن خيبة أمله في الولايات المتحدة من عدم استغلالها هذه الفرصة.

لم تؤد تجربة إيران مع الولايات المتحدة (نفس المرجع أعلاه) في الحرب ضد الإرهاب عندما قامت بتدريب الأفغان بتفاهم أميركي وتطور لعلاقاتهما ولا حتى شكراً للمساعدة التي قدمتها، والآن الولايات المتحدة تتكلم عن استعدادها لإشراك كل من سوريا وإيران لمساعدتها في إرساء الوضع المتدهور في العراق.

فكيف ستكون الشروط التي سوف تمليها كل من سوريا وإيران على الولايات المتحدة؟ وهل ستفتح باباً جديداً؟ وماذا سيحدث إن لم تحترم أميركا وتثمن هذه الجهود من قبل سوريا وإيران؟ وهل سوف يؤدي إلى رفع مستوى التوتر في المنطقة؟ ربما تأتي هذه الاتصالات بنجاح وترتقي بمستوى التعاون وتعزيز السلام والاستقرار في المنطقة والاحتمال وارد.

أما من الجانب الأخر فإن الإدارة الأميركية أعلنت فشلها في العراق، والآن فهي ليست في وضع من أن تتخذ قراراً يلزم الحكومة المقبلة التي ستأخذ زمام الحكم بعد سنتين، وهنا وللخروج من هذه ألازمة فقد تم تعيين وزير الخارجية الأسبق جيمس بيكر على لجنة تتكون من عضوين يمثلان الحزب الجمهوري والديمقراطي لصياغة قرارات تحفظ ماء وجه الحكومة الحالية، والجدير بالذكر نفس الأسلوب قد اتخذ سابقاً لإعطاء الحكومة الأميركية الغطاء لتتحاور مع ثوار فيتنام الشمالية في حرب فيتنام.

وهكذا دعونا نفترض بأن أميركا بطريقة أو بأخرى انسحبت من العراق، فهل سيأتي هذا بسلام؟ إن الشارع العربي مشحون بالغضب والاشمئزاز مما تلقاه الشعب العراقي من مذلة وسفك للدماء، ماذا يتوقع العرب من اتفاقيات ومعاهدات السلام التي أمليت عليهم سواء تحت الاستعمار الأوروبي أو تحت الهيمنة العالمية، فالدم العربي ما زال يهدر في فلسطين ويخضع لجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية بطريقة يومية إنها العنصرية بعينها. ا

لجميع يعلم أن إسرائيل ربيبة أميركا ولن تتخلى عنها، ونحن ندعو للولايات المتحدة ان لا تتخلى عن العرب، إن جميع المفاتيح في يدها، فلتعترف بالدولة الفلسطينية وليكن لها كرسي بالأمم المتحدة، عندها تستطيع الدولة ان تتفاوض مع دولة (إن صح التعبير)، وإلا سوف نعيش تحت إرهاب أكثر تطوراً وفاعلية عن ذلك الذي انبثق من عرب أفغانستان، أمامنا خياران إما حرب الصواريخ أو موجة إرهاب عالمية مدمرة، فما هو الخيار الأميركي هل سيكون هناك حرب أو سلام مع إسرائيل؟

كاتب إماراتي