كان صدور قانون تجريم إنكار إبادة الأرمن بداية عاصفة من الغبار امتدت من محور أنقرة باريس لتمتد بعيدا في وقت كانت فرنسا لم تتخلص بعد نهائيا من معركة قانون تمجيد الاستعمار الذي أثار احتجاجات رسمية جزائرية كبيرة وسرعان ما عاد شبح ضحايا الاحتلال الفرنسي الدموي للجزائر ليغطي سماء العاصمة الفرنسية وبالطبع لم يفت الأتراك في سياق الرد أن ينفخوا ويشيروا إلى هذا الماضي. وإن كان ملف ضحايا التفجيرات النووية الفرنسية في الجزائر الأكثر إيلاماً في ملف «بلد المليون شهيد».
من ينصف الضحايا؟
كان النشاط النووي الفرنسي في الجزائر الصفحة الأكثر دموية في تاريخ الاحتلال الفرنسي للجزائر فالتجارب النووية في قلب الصحراء الجزائرية من الأحداث المهولة في هذا السجل وقد دفعت القضية لواجهة المشهد بجمعية غير معروفة أنشئت عام 1997 هي جمعية 13 فبراير 1960 برقان وهي الوحيدة محليا التي تحاول أن تجمع وتوثق حقائق هذه التجارب.
وتبقى صور هذه الجريمة المرتكبة في حق الإنسانية راسخة في الذاكرة الجماعية لسكان المنطقة حيث تتداول ألسنة شهود التفجيرات قيام القوات الفرنسية قبل تفجير القنبلة بإحصاء المباني والسكان ونصحها هؤلاء السكان بالاحتماء بغطاء خارج ديارهم ووضع قلادات على رقابهم لقياس شدة الإشعاعات التي تعرضوا لها.
وقد ذكر تقرير لمؤسسة جزائرية هي المركز الوطني للدراسات والبحث أن ضابطا فرنسيا هو الكولونيل بيكاردا اقترح على الحكومة الفرنسية استعمال 200 مجاهدا مسجونا قصد تعريضهم للإشاعات وإجراء اختبارات عليها. وفي صباح 13 فبراير 1960 وضعت القنبلة في أعلى برج معدني يرتفع على مستوى الأرض بـ 106 مترا ووضعت أيضا من حوله أبراج مختلفة تحمل كاميرات لتسجيل مختلف مراحل الانفجار والإشعاع الحراري الناتج عنه والذي يذكر سكان مدينة أدرار الواقعة على بعد 175 كلم من مكان إجراء التجارب أنهم شاهدوا الشعلة النارية المنبعثة في سماء برقان!
ومؤخرا أقيمت في الجزائر ندوة لباحث فرنسي متخصص في التجارب النووية الفرنسية وجه فيها اتهاما خطيرا للحكومة الفرنسية حيث ذكر الباحث الفرنسي برينو باريلو أن الاستعمار الفرنسي استخدم 42 ألف جزائري «فئران تجارب» في تفجيرها أولى قنابلها النووية حيث فجرت القنبلة على سكان محليين وأسرى من جيش التحرير الجزائري، ما يمثل أقسى صور الإبادة والهمجية.
وقد عرض باريلو صوراً لمجاهدين جزائريين مصلوبين يلبسون أزياء عسكرية مختلفة، وصوراً أخرى لحجم الدمار الذي أحدثته القنبلة على البيئة وما آلت إليه معدات عسكرية (طائرات ومدرّعات) كانت رابضة على مبعدة كيلومتر من مركز التفجير. وأوضح أنّ الفرنسيين تعمّدوا الإكثار من ضحايا التجريب وتنويع الألبسة، للوقوف على مستوى مقاومة البشر للإشعاعات النووية على مسافات مختلفة وما زالت معظم الصحراء الجزائرية متضررة من الإشعاعات النووية التي نشرتها الرياح.
وفي سابقة ملفتة أحيت الجزائر ذكرى مرور 46 سنة على التفجيرات النووية الفرنسية في الجزائر وهو ما كان فرصة مناسبة للكشف عن المزيد من التفاصيل (جريدة الشروق الجزائرية 11- 7 - 2006) فقد أصبح هناك ضحايا نظموا أنفسهم مطالبين بكشف الحقيقة وتقديم الاعتذار والتعويضات، وبينما لا تزال حقيقة ما حدث غير معروفة لا تزال فرنسا مصرة على عدم الاعتذار ولو كلّفها ذلك تأجيل التوقيع على معاهدة الصداقة والتعاون مع الجزائر.
العملية كان اسمها «اليربوع الأزرق» وسرعان ما أصبح الحديث عن سلسلة تفجيرات انطوت على سلسلة من الجرائم فقد أجرت فرنسا سلسلة تفجيرات متعددة الطاقات بدأتها باليربوع الأزرق في 13/ 2/ 1960 وختمتها ب؟رونا «بجادي» في 16 / 02 / 1966 بإينكر. والتفجيرات بلغ عددها 17 تفجيرا تراوحت طاقتها بين (7,3 - 127) كليوطن وبينها أربعة تفجيرات سطحية . وفي هذه التفجيرات استخدم أبناء المنطقة رجالا ونساء وبعض الأسرى والمجاهدين وحيوانات وحشرات وطيورا وبذور نباتات مختلفة حقول تجارب وتم ربط وصلب الضحايا لساعات مبكرة قبل كل عملية تفجير وبخاصة السطحية منها وقبل وبعد كل جريمة كان يتم إحصاء الضحايا.
والدراسات القليلة بخصوص هذه التفجيرات أفادت أنه ورغم مرور 46 سنة على أول تفجير إلا أن قطر المنطقة المحيطة بنقطة الصفر (25 ـ 30) كيلومترا لا يزال عالي المستوى الإشعاعي ومحظور الدخول إليه. كما أن المجربين الفرنسيين كانوا يختارون موقعا بعد آخر لتحاشي مخاطر التعرض للإشعاع الذي تركته التجارب السطحية السابقة خصوصا أن فترات التفجيرات كانت متقاربة، والحصيلة أن المساحات التي استهدفها الإشعاع كانت شاسعة وأكبر من المتوقع ومتداخلة التأثيرات. والأكثر خطورة أن فرنسا لم تسلّم لحد الآن أي خرائط لمواقع التفجيرات.
آخر الشهود يتكلم
يروي المجاهد الجزائري محمد بن جبار (68 عاما)، وهو أحد ضحايا الإشعاعات النووية وآخر من بقي من الشهود الجزائريين الأحياء، أنّ المنشآت التي تسلمتها الجزائر من الجيش الفرنسي لم تقتصر على المخابئ التي ردمت فيها بقايا التجهيزات والمركبات البرية والجوية التي استعملت في التجارب، ولكن أيضاً محطة توليد الكهرباء التي كانت تعمل بالطاقة النووية، فضلاً عن منشآت هيدروجينية وآلاف الأطنان من المواد الحديدية والنحاسية التي لم يتم ردمها وغيرها.
وقال بن جبار إنّ تلك التفجيرات أفرزت مظاهر الاحتراق والقحط الذي طال الصحراء الجزائرية وقتل نباتها وحيواناتها، حتى إن الخراف والجمال صارت تلد «وحوشاً»، وظهرت أمراض غريبة وسط سكان المنطقة، ثم كشف عسكريون وأطباء فرنسيون عديدون أنّ جيش بلادهم استخدم سكان المناطق التي تمت فيها التفجيرات، ومنهم من استقدم من مناطق أخرى، في حقل التجارب الإشعاعية، ووضعوا في مناطق التفجيرات من دون وقاية، ولم يخضعوا بعدها لأي عمليات علاج من هذه الإشعاعات.
وكان ابن جبار الذي رفضت محكمة تولوز الفرنسية قبول دعوى قضائية رفعها في 1985 قد غادر الجيش الجزائري قبل 32 عاما، بعدما اكتشف الأطباء أنه تعرض لإشعاعات نووية، ومنذ ذلك الحين لم يتوقف عن السعي لكشف الحقيقة حول التفجيرات النووية الفرنسية في صحراء بلاده، وأسس جمعية لضحايا التفجيرات النووية الفرنسية في الجزائر.
وأيا كانت النتائج السياسية المباشرة وغير المباشرة للجدل التركي الفرنسي حول القانون الأخير فإن الجرائم ضد الإنسانية يزداد الاهتمام بها في العلاقات الدولية من البلقان إلى رواندا إلى دارفور، والاستخدام السياسي سيظل حاضرا دائما لكن الدروس التي ينطوي عليها هذا الاهتمام المتزايد منعطف مهم في العلاقات الدولية، فأشباح الضحايا أصبحت قادرة على التأثير في مسار التاريخ ربما لأول مرة!.
كاتب مصري