أمام نتائج مرحلة ما بعد العدوان البربري الإسرائيلي على لبنان، تعرضت الخارطة الحزبية الإسرائيلية لتبدلات متسارعة، دفعت نحو توليد اصطفافات انتهازية جديدة بين أبرز الكتل الحزبية الموجودة في تركيبة الكنيست الإسرائيلي الحالية، يقف على رأسها الآن، التحالف الثلاثي الفاشي لكل من أحزاب ( ايهود أولمرت + عمير بيرتس + أفيغدور ليبرمان )، بعد أن تفاقم العجز السياسي الإسرائيلي عن تقديم الأجوبة لقضايا المرحلة الجديدة فترة ما بعد الحرب على لبنان، والتي ملأت الأجواء والمناخات في إسرائيل، ضباباً سياسياً مازال إلى الآن يخيم فوق التحالفات السياسية بين مختلف المكونات السياسية والحزبية في إسرائيل.
وفي هذا التحالف الإنقاذي الجديد، وجد كل من زعيمي حزب كاديما اليهودي الاشكنازي الأوروبي أيهود أولمرت وحزب العمل اليهودي السفارديمي المغربي عمير بيرتس، نفسيهما في خندق الدفاع عن الذات وعن المستقبل السياسي لكل منهما داخل حزبه، فاندفعا لتصدير الأزمات الداخلية تحت نيران المجازر الدموية البشعة ضد الشعب الفلسطيني، وفي استمالة أفيغدور ليبرمان وحزبه «إسرائيل بيتنا»، إضافة لمحاولة استمالة الأحزاب التوراتية الصغيرة، ومع أنها أحزاب صغيرة، لكنها فاعلة ومؤثرة بين جمهور المستوطنين. وعليه يمكن أن ندرك المغزى الأبعد لأهداف العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة في منطقة بيت حانون، حيث الدم الفلسطيني الطاهر المسفوح، باعتباره فعل «توحيدي تمتيني» للتحالف الجديد الذي توالد مؤخراً في الدولة العبرية الصهيونية.
إذاً، تأتي، العملية العسكرية الفاشية الإسرائيلية الأخيرة ضد المواطنين الفلسطينيين الأبرياء في مناطق قطاع غزة، خصوصاً بيت حانون، بعد أن استكمل الثنائي الفاشي الصهيوني (أيهود أولمرت + عمير بيرتس) بناء ائتلافهما اليميني المتطرف بالتحالف مع الشخصية المقيتة أفيغدور ليبرمان وحزبه الفاشي المدعو «إسرائيل بيتنا». طبعاً والمقصود بعنوان «إسرائيل بيتنا» ما يسمى أرض «إسرائيل الكبرى»، بينما لم يكن ليبرمان أو أي من أجداده يعرف أصلاً أرض فلسطين، التي قدم إليها مستعمراً استيطانياً بعد انهيار دول الكتلة الشيوعية السابقة. ومن المفارقات أيضاً، أن كان أفيغدور ليبرمان ذاته، وحسب ثقافة وأدبيات الأحزاب الماركسية المنقرضة «مناضلاً أممياً بروليتارياً» من أعضاء الحزب الشيوعي السوفييتي الذي تفكك مع تفكك الإمبراطورية السوفييتية.
لقد سعى وعمل أفيغدور ليبرمان على الفور بالمصادقة على الخطة العسكرية الإسرائيلية التي وضعها «المجلس الأمني الوزاري المصغر» قبل شهر مضى بتوقيع كل من أولمرت وعمير بيرتس، والتي أريد من خلالها تحقيق غرضين اثنين، أولهما إرباك وشل وإضعاف الوضع الفلسطيني الداخلي بعد أن وصلت المساعي المبذولة لتشكيل الحكومة الائتلافية إلى درجة متقدمة من التوافق بين حركتي فتح وحماس، اثر الدور الذي لعبته الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، التي عملت على جسر الهوة بين حركتي حماس وفتح.
وثانيهما يتمثل في محاولة الثلاثي (أولمرت + بيرتس + ليبرمان) إعادة رص المجتمع اليهودي في فلسطين المحتلة عام 1948 خلف التحالف الائتلافي الصهيوني العلماني الجديد بطبعته الفاشية الأخيرة، وتوسيع قاعدة قوى اليمين واليمين المتطرف الاجتماعية والسياسية بين جمهور اليهود في فلسطين المحتلة عام 1948، بعد أن اهتزت وتضعضعت بفعل تداعيات ما حدث في لبنان.
فضلاً عما وفره الصمت الأميركي، بل واستسهال واشنطن للمنطق التبريري للأفعال الإسرائيلية العدوانية شجع إسرائيل على التمادي في عدوانها، وعلى مواصلة الاغتيالات والقتل الجماعي، وفي حقن أولمرت وأركانه العسكرية والأمنية، المزيد من جرعات الجنون الدموي، واصطدام التسوية بجدران الجنون الدموي الإسرائيلي، وتطرف عتاة اليمين وجنوح الأقطاب القيادية لـ «اليسار الصهيوني» نحو مواقع اليمين بشقيه العقائدي والتوراتي.
وعليه، فإن عملية التسخين الإسرائيلية تعتبر في شكل من أشكالها، إضافة إلى ما سبق، جزءاً من فاتورة التقاطع المشترك للتحالف الجديد بين القوى الرئيسية الثلاث في الكنيست الإسرائيلي. فبعد جولات الحرب العدوانية الإسرائيلية البربرية على لبنان، وصلت شرارات وشظايا الفشل الإسرائيلي إلى داخل الائتلاف الحكومي الذي شكله ايهود أولمرت، فاهتزت مواقع حزب كاديما، وكاد أن يسير نحو الاحتضار كما أشارت استطلاعات الرأي في إسرائيل آنذاك، مع تحول ملحوظ لصالح حزب الليكود بزعامة بنيامين نتانياهو. ومن المنطقي كما عودتنا الساحة الإسرائيلية ألا تكون استطلاعات الرأي مصدراً للحكم النهائي أو شبه النهائي بصدد حضور أي حزب سياسي من عدمه، لكنها يمكن أن تقدم مؤشرات ما تحمل درجة من المعقولية.
لقد استطاع المهزوم أيهود أولمرت، من خوض المغامرة العسكرية الجديدة في مناطق قطاع غزة، بعد توسيع ائتلافه مجدداً بغالبية يهودية اشكنازية غربية ومعها قاعدة شرقية سفاردية ملونة بألوان الفاشية، تجمع بين كونها شابة نسبياً، ومطعمة بزبدة طازجة من العسكر والجنرالات الذين مازالوا في عداد ضباط الاحتياط في تساهال (جيش الدفاع الإسرائيلي)، إضافة إلى المجموعات المدنية حاملة ارث الصهيونية الفاشية كتساحي هنغبي ابن المتطرفة المعروفة غيؤولا كوهين زعيمة حركة «هاتحيا» المنقرضة، وفوق هذا يحاول الائتلاف تقديم نفسه أمام العالم بلبوس المسحة العلمانية للتصدير الخارجي، والمصبوغة برداء «قومي يميني توراتي» للتصدير الداخلي.
لقد ماتت الأيديولوجيا البشعة «البحتة والصرفة» في الكينونة السياسية والأيديولوجية الإسرائيلية، وحل مكانها نوع مركب وشديد التعقيد من الأيديولوجيا الأكثر بشاعة، والقائمة على المزج بين الرواية الخرافية وبين تلاوين من عقد المصالح والارتباطات الخارجية التي تستبيح كل شيء ولا تعترف بمنطق المحرمات، مع تحول الدولة العبرية ذاتها إلى بارجة مصالح راسية في المنطقة.
وهكذا توحد ايهود أولمرت الأوروبي الصهيوني الليكودي بطبعة كاديما، مع عمير بيرتس السفارديمي العمالي المغربي، ومع أفيغدور ليبرمان اليهودي الخزري سليل «البروليتاريا الرثة» وفق الأدبيات الموسكوفية البائدة، في حكومة واحدة في الدولة العبرية الصهيونية، دون أن يعتذر ليبرمان بكلمة واحدة عن الإساءات التي كان قد وجهها للعرب في فلسطين المحتلة عام 1948، ولم يتراجع عن تصريحاته التحريضية ضد أعضاء الكنيست العرب. كما أنه بقي متمسكاً بمواقفه بعد توقيعه على اتفاق الانضمام للحكومة.
كاتب فلسطيني
