في «بيت حانون» الفلسطينية التي تتعرض لمجزرة إسرائيلية همجية بمشاركة عسكرية وتغطية سياسية أميركية كشفت عنها الدوائر الإسرائيلية، في العدوان المستمر على غزة والضفة تحت سمع وبصر الدنيا وبينما يتخاذل العالم، ويعجز العرب عن الاعتراض، أو المعارضة بعد مرور أربعة أيام على العدوان بصورة غير مسبوقة،إلا مع بداية العدوان على لبنان، في موقف يبعث على الشعور بالأسى ويدعو للأسف..

نقلت شاشة «الجزيرة مباشر» للعالم وللعرب على السواء صورة بطولية نادرة تبعث على الشعور بالفخر وتدعو للأمل ورفض الشعور بالإحباط، صورة كأنها الأسطورة لنساء فلسطين اللائي يعطين الدروس البليغة كل يوم في الصمود والتحدي والمواجهة بما يوازي نضال الأبطال الرجال، والجنرالات الأطفال، مقاومة للإرهاب الصهيوني المتواصل ضد الشعب الفلسطيني بالحصار وبالجدار والاغتيال والاعتقال وباستمرار عدوان الاحتلال.

صورة تصدي أمهات وزوجات وأخوات الشهداء الأبرار والمقاومين الأبطال، العزل من أي سلاح إلا سلاح الإيمان بالله وبحقهم في الحرية والحياة لأرتال الدبابات الغازية والجرافات العادية، والوقوف كدروع بشرية لمنعها من هدم مسجد النصر ولفك الحصار عن المقاومين الرجال الذين تحصنوا داخل بيت الله لمحاولة فك الحصار عن بيت حانون تصديا لجحافل المعتدين المتحصنين بدروع مدرعاتهم الحربية.

ويبدو أن عصابات الجيش الصهيوني التي واجهت الهزيمة في المنازلة مع المقاومين الأبطال من رجال حزب الله في العدوان الأخير على لبنان، وبعد محاولتها الفاشلة لما أعلنته من هدف لشن العدوان وهو إطلاق الجنديين الصهيونيين، والقضاء على حزب الله، وبعد ضياع هيبتها العسكرية، وتمزيق صورتها أمام الرأي العام الإسرائيلي تحاول بمجازرها في شمال غزة خصوصا في «بيت حانون» تعويض ما فشلت فيه في جنوب لبنان رغم مجازرها في «قانا»، لكنها تبدو مهمة مستحيلة.

ويبدو أيضا أن النصر الذي حققته المقاومة اللبنانية ضد الجيش الذي لا يقهر برغم الدمار وبرغم الشهداء أصاب الجيش المقهور في مارون الراس وعيتا الشعب وبنت جبيل بعقدة مستعصية من كل ما يقترن اسمه بالنصر، بدءاً من نصر رمضان ومرورا بنصر الله وانتهاء بمسجد النصر، فاندفع بكبرياء جريح وبروح انتقام وسعار المهزوم بدباباته وطائراته وجرافاته إلى حي النصر في بيت حانون في محاولة لتحقيق أي انتقام يسميه نصرا، بالعنف بديلا عن القوة، لأن الأقوياء لا يقتلون الضعفاء الأبرياء العزل من أي سلاح سواء من النساء أومن الأطفال.

ولا يجدون ما يحاصرون سوى المستشفيات ولا يستعرضون قوتهم إلا على المرضى والجرحى، وبالقتل الإجرامي الوحشي بدم بارد في مجازر الأطفال وهم نيام، لا بالقتال العسكري المتكافئ في غيبة امتلاك المقاومين لطائرات الـ «ف16» الأميركية ولا لدبابات «الميركافا» الإسرائيلية ولا لطائرات «الأباتشي» القتالية، لأن الجيوش المقاتلة لا العصابات القاتلة، لا تحارب بالطائرات الحربية ضد أطفال في البيوت، ولا ضد السيارات المدنية ولا بالدبابات المثلثة الدروع ضد الصدور العارية من أي دروع، وبالجرافات المدمرة ضد أشجار الزيتون والكروم المثمرة.

إن حصاد تلك العمليات العدوانية الإرهابية لن تعيد لعصابة الجيش الصهيوني هيبة ضائعة، ولن تحقق له نجاحا بعد فشل كل محاولاته السابقة، ولن تحول هزائمه إلى انتصارات، رغم كل أسلحته الجبارة، ومهما غلا ثمن الحرية، لأنهم لم يتعلموا بعد حقيقة أن الحق أقوى من القوة، وأن القوة العمياء التي لا تعترف بحقوق الشعوب لن تقوى أبدا على هزيمة مقاومة الشعوب، ولن تحصد في النهاية إلا الهزيمة والعار.

إن الذين لم يتعلموا شيئا من عدوان 56 حيث بقيت القناة تحت السيطرة المصرية رغم العدوان الثلاثي ورغم الدمار، ولم يتعلموا شيئا من عدوان 67 بعد أن تحولت الهزيمة إلى نصر عام 73، ولم يتعلموا شيئا من احتلال جنوب لبنان عام 82 بعد أن كان غزوهم للبنان إشارة انطلاق لمقاومة حزب الله الذي طرد الأميركيين والفرنسيين من بيروت ولاحق الإسرائيليين بضرباته حتى فروا كالفئران من جنوب لبنان عام 2000 لن يحققوا بقوتهم شيئا في غزة، حتى لو احتلوا غزة من جديد.

وحتى لو نجحوا في إزاحة حكومة حماس وأبقوا سلطة عباس محاصرة لتقديم المزيد من التنازلات كما كان سلفه الشهيد أبوعمار محاصرا بعد ما لم يعد لديه ما يقدمه من تنازلات، حتى لو نجحوا في ذلك، وهذا يبدو بعيداً، وحتى لو لم يتعلموا أيضا من اضطرارهم للانسحاب من غزة في عهد شارون تحت ضغط المقاومة في ظل حكومة عرفات المحاصرة، فلن ينجحوا في تركيع الشعب الفلسطيني في عهد تحالف أولمرت الضعيف مع ليبرمان الثرثار فسوف تواجههم مقاومة رجال حماس وغير حماس من جديد لتجبرهم على الانسحاب من جديد.

ومع ذلك يستمر عدوان المجرمين الأغبياء على غزة المناضلة، و رغم نداءات عباس للعالم، فوحده «عنان» دوليا من أعلن عن قلق دفين، ورغم استغاثة حماس بالعرب فلم نسمع حتى الآن سوى استياء من مصر واستنكار من الجامعة العربية وإدانة من المؤتمر الإسلامي وتنديد من مجلس التعاون بالمجزرة الإرهابية التي تعتبر إرهابا منظما يخالف القوانين والأعراف الدولية، وجرائم حرب تنتهك القيم الإنسانية.

ورغم استجابة مجلس الأمن لطلب قطر للاجتماع فيبدوا أن القرار الدولي بضغط أميركي سيحاول غض الأبصار عن الصورة خوفا من اليقظة العالمية ومنع المجلس من الفعل بفعل الفيتو السيئ السمعة وصنع أذن من طين وأخرى من عجين والاكتفاء بالانحياز المبين!

ورغم ذلك كله.. فالحل في النهاية هو في تعلم فتح وحماس دروس الخلاف ونتائج المواجهة، وفى وحدة فتح وحماس في مواجهة العدوان وفى استمرار المقاومة بكل الوسائل وكل الفصائل في بيت حانون وغزة وكل فلسطين..

والحل في وقفة عربية مسؤولة وتحرك فاعل لوضع العالم أمام مسؤولياته بطلب قوات أممية لحماية الشعب الفلسطيني أو تحمل مسؤولية انفجار الوضع في منطقة توشك بالفعل أن تنفجر، نتيجة غياب العدالة الدولية، وازدواج المعايير الغربية في التعامل مع القضية الفلسطينية..

إلى أن يأتي اليوم الذي يتعلم فيه الأغبياء الأقوياء الدرس الصحيح وهو أن الحق أقوى من القوة، و المقاومة أقوى من الاحتلال، والمقاومة لا يمكن لها أن تتوقف إلا بزوال الاحتلال والاعتراف بحقوق شعب فلسطين، يومها يمكن للسلام أن يتحقق.. فقط حينما يقوم على العدل.

كاتب مصري

mamdoh77t@hotmail.com