حتى في الديمقراطيات الناشئة في العالم الثلاث فضلا عن مثيلاتها العريقة في الغرب تحرص كل من الأحزاب المتنافسة عند اقتراب موعد انتخابات برلمانية أو رئاسية على عقد «المؤتمر العام» للحزب حيث تعرض القيادة على ممثلي قاعدتها الجماهيرية مشروع برنامجها المعد لخوض المعركة الانتخابية لمناقشته.
لكن مثل هذا لا وجود له في الحياة السياسية في الولايات المتحدة. فلا«الحزب الجمهوري» ولا الحزب «الديمقراطي» ـ اللذان لا يوجد أحزاب سواهما ـ لديه مؤتمر عام أو رئيس حزب أو أمين عام أو مكتب سياسي. وبالتالي ليس لدى أي منهما برنامج انتخابي.
إنهما ليسا حزبين بالمعنى السياسي التنظيمي المتعارف عليه عالميا في أي نظام ديمقراطي تعددي، فهما مجرد تجمعات هلامية تلتقي موسميا في مهرجانات غوغائية تلقى فيها كلمات خطابية تتخللها هتافات هستيرية.
وحين يقال إن الحزب الجمهوري أو الحزب الديمقراطي «اكتسح» الانتخابات البرلمانية فإنه قول يكون خاليا من أي مضمون أو معنى لأنه ببساطة لا وجود في أميركا لأحزاب إلا بمجرد الاسم.
نتائج الانتخابات في الولايات المتحدة ـ بما في ذلك الانتخابات الرئاسية ـ تتحكم فيها وتقررها قوتان تمارسان نفوذهما من وراء ستار فلا تراهما العين المجردة. وهما أولا اتحاد المنظمات اليهودية الأميركية التي تنضوي تحت التنظيم المظلي الكبير «آيباك» وثانيا رأس المال الذي تمثله تجمعات كبريات الشركات في القطاعات المختلفة كالقطاع المصرفي وقطاع صناعة السلاح وقطاع تصنيع السلع وقطاع المؤسسات الإعلامية.. الخ.
وينبغي أن نأخذ في الاعتبار أن القوتين متداخلتان في بعض الحالات، فبالرغم من أن القطاع المصرفي مثلا يصنف تحت عنوان «قوة رأس المال» إلا أن معظم المصارف الكبرى تخضع لملكية يهودية.
هاتان القوتان هما اللتان تتوليان أمر تمويل الحملات الانتخابية لمرشحين جرى انتقاؤهم سلفا. ولا يهم إن كان أي منهم يحمل شارة الحزب الديمقراطي أو الحزب الجمهوري.
وفي داخل الكونغرس بمجلسيه يتوزع الأعضاء الفائزون في الانتخابات إلى مجموعة «لوبيات» بحيث يتولى كل لوبي دور الدفاع عن مصالح مجموعة شركات معينة بينما تلتقي كافة اللوبيات دون استثناء عند نقطة الدفاع عن مصالح وأمن الدولة اليهودية الإسرائيلية، وتأييد ودعم سياسات وتحركات الإدارة الأميركية ـ أيا يكون انتماؤها «الحزبي» ـ المتعلق بمنطقة الشرق الأوسط وهي بطبيعة الحال سياسات وتحركات تستوحي فيها الإدارات المتعاقبة ثوابت حماية إسرائيل ولو على حساب المصالح الحيوية الدولية للولايات المتحدة نفسها. وتأسيسا على هذه الحقائق يصبح من غير المفهوم ان يستشعر العرب تفاؤلا تجاه اكتساح «الديمقراطيين» انتخابات الكونغرس وكأنهم قوة مضادة ايديولوجيا لإدارة بوش الجمهورية فيما يتعلق بشؤون الشرق الأوسط.
ولنستذكر أن أغلبية الأعضاء الديمقراطيين في الكونغرس المنصرف دعمت مخطط إسرائيل لوضع حدود جديدة توسعية بضم أكثر من نصف أراضي الضفة، والعدوان الإسرائيلي على لبنان وقانون لمعاقبة كل من سوريا والسودان وإيران وقرار شن الحرب على العراق.