الولايات المتحدة عبرت عن حزنها العميق لمذبحة بيت حانون، وترى أن إسرائيل لها الحق في الدفاع عن نفسها، بل الأكثر من ذلك حملت الحكومة الفلسطينية المسؤولية، ورفضت إدانة الدولة العبرية على جريمتها البشعة. هذا ما أكدته واشنطن سواء على لسان الناطق باسم الخارجية الأميركية شون ماكورماك الذي استبعد أن تدعم بلاده ما وصفه بمشروع قرار أحادي يدين إسرائيل، وهو المشروع الذي قدمته الدول العربية في مجلس الأمن في جلسة استثنائية عقدها للنظر في الجرائم والمذابح الإسرائيلية في غزة. أو على لسان المندوب الأميركي في مجلس الأمن جون بولتون الذي أيد علنا جرائم إسرائيل تحت مسمى الدفاع عن النفس ومحملا في الوقت نفسه حركة المقاومة الفلسطينية «حماس» مسؤولية ما يجري.
هذا الموقف الأميركي، لا يمكن أن ندهش أو نصدم منه. فهو ليس غريبا على الولايات المتحدة التي عرقلت عشرات بل ربما مئات من مشاريع القرارات الدولية في مجلس الأمن بعد إشهارها سلاح الفيتو، الذي يعد أهم أسلحة إسرائيل السياسية التي تحميها من أية محاولة لإصدار قرار حتى ولو كان لمجرد الإدانة أو اللوم. ومثل كل عدوان يتعرض له الفلسطينيون، تزعم واشنطن أن أي نوع من مشاريع القرار الدولي التي تطلق عليها لفظ «الأحادية» ليس أكثر الطرق فعالية لمعالجة الأزمة. الموقف الأميركي الذي اعتدنا عليه، لا ولن يتغير.
وهذا يعني أن مأساة شعب فلسطين الصامد الصابر لن تعرف طريقها إلى الحل، بل إن أشقاءنا في الأرض المحتلة سيتعرضون للمزيد والمزيد من المذابح مادامت الولايات المتحدة، لا ترى إلا بعين إسرائيلية ولا تسمع إلا من أذن إسرائيلية ولا ترى إلا ما يراه الإسرائيليون. ليس من المستبعد في ظل الانحياز الأميركي اللامحدود لإسرائيل، أن يسفك دماء الفلسطينيين وسيكون المبرر الإسرائيلي المعتاد الذي تبلغ به العالم هو:
ـ الادعاء بأنها تدافع عن نفسها ضد المقاومة الفلسطينية (وهو منطق لا يمت للحقيقة أو الواقع بصلة)، لان إسرائيل ليست في موقع الدفاع عن النفس، بل أصحاب الأرض التي اغتصبت منهم ويبدو الأمل في استردادها بالقانون الدولي بعيد المنال.
ـ أو تقديم عذر أقبح من ذنب، بأن تبرر أي جريمة ضد الفلسطينيين من نساء وأطفال، بأنها خطأ فني كما زعمت بشأن جريمتها الكبرى في بيت حانون.
صحيفة الجارديان البريطانية طبقا لمقال للصحافي المخضرم جوناثان بييل تحت عنوان«إسرائيل تعيش حالة يأس عميقة»نستشف بين سطورها احتمال تعرض الفلسطينيين لمذابح جديدة يباركها الناخبون الإسرائيليون. فقد تحدثت عما أسمته وضعا جديدا تعيشه إسرائيل حاليا. ويقول بييل إنه قبل خمس سنوات كانت أغلبية الإسرائيليين ترغب بتحقيق السلام مع الفلسطينيين، لكن بعد الحرب الأخيرة مع حزب الله في لبنان، تعززت المقولة التي أطلقها ارييل شارون عندما قال «لم يعد صحيحا من الناحية السياسية القول إننا نؤمن بالسلام وجيل الشباب لا يؤمن بذلك وأصبح كره العرب أمرا مشروعا وبات الإسرائيليون يتمنون فناء العرب».
هكذا..سيظل الشعب العربي الفلسطيني في قبضة آلة القتل الإسرائيلية التي لن تفرق بين رجل وامرأة أو بين طفل وكهل. ويبقى أن نقول، إنه سيكون من السهل ردع الدولة العبرية الإرهابية، إذا ما استخدم العرب والمسلمون كل إمكانياتهم السياسية والمادية للضغط على الولايات المتحدة حتى ترى الحقيقة بعين العدالة والإنصاف. نعم نحن قادرون على الضغط إذا فرضنا إرادتنا واسترددنا ثقتنا بأنفسنا وأثبتنا للعالم أننا قوة مؤثرة وليست مهمشة.
إننا نعيش في عالم لا يحترم سوى أصحاب النفوذ والقوة ولا مكان فيه للمستكينين المستضعفين الذين لا يعرفون قدر أنفسهم. انه منطق العصر الذي علينا أن نتعلمه، وبالتأكيد سيكون لواشنطن رأي آخر في إسرائيل، عندما ترى أصحاب الحق أقوياء بعزمهم وإرادتهم وثقتهم بأنفسهم.