ليس من المستغرب أن ترتكب اسرائيل، ما ترتكبه حاليا، من مجازر بحق أبناء الشعب الفلسطيني، فهي قد تعوّدت على ارتكاب تلك المجازر، وسجلّها أسود، في هذ المجال، حتى قبل أن تتشكل هذه الدولة، الأكثر خروجا عن القانون والعرف الدوليين، ولكن الغريب، أن تتم هذه المجازر، التي تستهدف مدنيين، أغلبهم من الأطفال والشيوخ والنساء، امام مرأى ومسمع، العرب أولا، وبقية المجمّع الدولي ثانيا.

مجزرة بيت حانون، هي «الانجاز» الصهيوني الذي لم يكتمل، منذ جوان الماضي، عندما شنّت اسرائيل حملتها الحاقدة عل الاراضي الفلسطينية بدعوى تحرير الجندي الاسرائيلي من أسر المقاومة الفلسطينية.

في ذلك الوقت، لم تجد غزّة والشعب الفلسطيني، من نصير سوى المقاومةاللبنانية الباسلة، التي هبّت، في لحظة حرجة كادت تختنق فيها غزّة، لفكّ الحصار الرهيب الذي ضرب عليها... فكان ذلك الثمن الرهيب الذي دفعه الشعب اللبناني، حيث تحوّلت آلة الحرب الاسرائيلية عن غزّة، لتنشر الدمار الشامل في كل لبنان... ثم لتعود بعد ذلك الى غزّة مجددا، وقد تعزّزت الحكومة الاسرائيلية بمزيد من الاعضاء المتطرفين.

من سيغيث غزّة هذه المرّة، وقد استفردت بها آلة الحرب الاسرائيلية؟! من سيغيث غزّة، وقد كشفت هبّة المقاومة اللبنانية وانتصارها لمعاناة الفلسطينيين، في جوان الماضي، عمق التردّي الذي أصاب الموقف العربي، فلاهم قدّموا الدعم للفلسطينيين، ولا هم باركوا من تطوّع للقيام بذلك، رغم الثمن الباهض الذي دفع من ارواح ودماء اللبنانيين ومن مقدراتهم، حتى استنكفت المقاومة اللبنانية، نفسها، وازاء ما واجهته من حصار، ان تعترف بأنها كانت تستهدف، عندما أسرت الجنديين الاسرائيليين، وإضافة الى الدفاع عن حقوق لبنان، تخفيف بعض الضغط عن غزّة!

بل ان بعض العرب جاهروا ودماء العرب في لبنان وفلسطين ما تزال نازفة، باجراء الاتصالات مع الاسرائيليين او بدعوتهم لزيارة بعض عواصمهم.

حاصر العرب الفلسطينيين، ماديا، من ضمن من حاصروهم، ولمّا التجأوا الى ايران التي قدّمت المال (وهي في ذلك تستجيب لمصالحها القومية الخاصة)، تنادى هؤلاء لمواجهة خطر «التدخل» الفارسي الايراني في البلاد العربية!

تجاهل المجتمع الدولي، ما يحدث للفلسطينيين، وتعاملت الدول الفاعلة على الساحة الدولية، مع معاناة الفلسطينيين، باعتبارها روتينا يوميا، مختلقة من ناحية أخرى، مشاكل اضافية في المنطقة، مثل الوضع في لبنان، أو الملف النووي الايراني، في حين ان كل مشاكل المنطقة، القديمة منها أو المستحدثة، ليست سوى نتيجة لعدم ايجاد حل للقضية الفلسطينية، تلك المعضلة المستعصية منذ اكثر من نصف قرن.

أغلقت كل المنافذ امام الشعب الفلسطيني، حصار مالي وسياسي قاتل، وتجاهل عربي ودولي، لما يعيشونه، فما الذي يمكن ان يفرزه مثل هذا الوضع، اكثر من مزيد من التطرّف او الأفعال المجنونة التي لا يمكن التكهّن بمداها؟!