ماذا سيقولون للناس اذا كانت كل هذه (الهمروجة) التي قامت هي من أجل إبدال وزير بوزير؟ وكيف سيواجهون الرأي العام اذا كان كل هذا التوتر الذي افتُعل كان من أجل مراضاة هذا أو ذاك؟ الناس يستحقّون من (المتشاوِرين) أكثر من (طبخة) وأسمى من (صفقة) تُحلُّ الآب محل الإبن وتُبعد مَن كان محسوباً على بعبدا لتُقرِّب قريباً من بعبدا.

النائب ميشال المر (يرغب) في أن يعود وزيراً، وبسبب هذه الرغبة الجامحة استنفر مناوراته وبدأ جولته الواسعة. فعند الرئيس لحود يُذكِّره بأنه (عرَّاب العهد)، وعند الرئيس برّي يقول له إنه (رفيق درب)، وفي قريطم يقول إنه واكب الرئيس الشهيد في أكثر من حكومة; وعند المسيحيين يُسرِّب انه أكمل (توبته السياسية)، وخارج الحدود لا فيتو عليه، وهكذا تُفتَح أمامه الأبواب للعودة الى (جنَّة الوزارة).

إنه (حلم ليلة خريف)، فلو ان البلد في ظروف عادية لربما قلنا إنه مسموح للسياسي أن يمارس (ترف المناورات) امّا وان البلد في ظرف مأزوم جداً، والبلد على كفِّ عفريت، فليس مسموحاً لأيٍّ كان أن يناور من أجل حقيبة وزارية.

الدنيا تغيَّرت، والبلد يولد من جديد، فكيف يمكن مجرّد التفكير الآن في ممارسة السياسة بهذه الطريقة؟ اليوم يعود المتشاورون الى طاولة التشاور، هاجسهم التوصّل الى توافق; خشية اللجوء الى الشارع، لكن اذا استُعيض عن التوافق بـ(صفقة) أو بـ(طبخة)، فإن الناس سينزلون الى الشارع من تلقاء أنفسهم للتعبير عن سخطهم الشديد من التلاعب بمصيرهم.

ان الغاية من التشاور هي البحث في مصير البلد ومستقبله وليس التفتيش عن مصالح هذا السياسي أو ذاك، فالمعادلة الحقيقية هي أن يفتّش السياسيون عن حلول لمشاكل البلد لا أن يفتّش البلد عن حلول لمشاكل السياسيين.

لقد طالبوا بهدنة اعلامية، ربما من أجل تمرير ما لا يمكن تمريره إلاّ من خلال الصمت الذي يصير مريباً اذا لم تُكشف الصفقات من أول الطريق.

ان البند الوحيد الذي يُفتَرَض أن يبحثه المتشاوِرون هو نزع الهواجس المتبادَلة لدى الجالسين حول الطاولة، لأنها تعكس هموم الناس، وحين تتمّ معالجتها لا يعود هناك من لزوم لتغيير حكومي أو تعديل أو توسيع، الى ما هنالك من تسميات.

عالجوا الهواجس تُعالَج المشكلات، وليتذكَّر مَن تخونه الذاكرة أحياناً ان مقياس النجاح ليس فقط في حكومة موسَّعة، ألم تُشكَّل بعد ثورة 1958 حكومة رباعية للإنقاذ؟