معروف أن الشعب الأميركي لا يهتم بالقضايا السياسية الخارجية معتمداً على تفويضه سلطات الحكومة، وقد غاب أو غُيِّب عن الأحداث العالمية، إلا ما يكون له علاقة مباشرة معه، والتي بسببها ترتفع الضرائب وتكثر الجنائز حين تصبح أميركا الدولة الأساسية في شن الحروب أو الدخول فيها.
انتخابات الكونغرس ومجلس الشيوخ، جاءت بعكس ما اعتاد عليه الأميركيون، أي أن العراق شكَّل سيرها، وتداعيات الحرب كانت السبب الرئيس في سقوط الجمهوريين أمام الديموقراطيين، لأننا بجرد بسيط لحسابات الخسائر المادية وحدها التي استنزفت الخزينة الأميركية، نرى أنها تستطيع أن تبني دولة بمستوى كوريا الجنوبية.
وأن تعداد الجنائز التي وصلت إلى الأرض الأميركية فاق عشرات المرات الخسائر المادية، وهذا الحدث بذاته، هو الذي أيقظ الشعب الأميركي، وكيف أن الفرد الذي كان يصل لأي عاصمة أو مدينة عالمية، يلقى الترحيب، والاحترام كممثل لقوة عظمى قدمت للعالم منجزات حضارية لتنقلب الأمور إلى الضد ليجد أن أقرب الناس لهذا الشعب من الحلفاء الأوروبيين جعلهم يرون في كل أميركي تجسيداً لعبثية الحرب وطيش السياسيين وغطرستهم بالتفاخر بهذه القوة.
لقد اعترف قادة البيت الأبيض أن العراق منزلق شبيه بفيتنام من حيث الخطأ الاستراتيجي ومضاعفات الخسائر، وقد كانت حرب فيتنام مبررة بأنها "لزوم ما يلزم" في مواجهة المعسكر الشرقي الداعم والحاضن للحركات الشيوعية وأحزابها في العالم.
أما العراق فليس له التأييد والدعم اللذان حظيت بهما فيتنام، لكنه ولّد أخطر عناصر الإرهاب والمقاومة، أي أن أميركا صنعت عفاريتها بنفسها دون أن تدرك أن سيكولوجية الشعوب المقهورة بالاحتلال لا يمكنها قبول سلطة عليا عليها مهما كانت الذرائع والأهداف..
سقوط الجمهوريين لصالح الديموقراطيين، درس في الوعي السياسي للشعب الأميركي الذي طالما كان بعيداً عن جعل هدف الانتخابات سياسياً، وتلاقياً مع أوضاع خارجية، ونحن في الوطن العربي، والعالم الإسلامي كله، لا نعوِّل على هذا التغيير، أو الانقلاب، إن صح التعبير بالمؤسسة الأميركية، لأن كلا الحزبين ليس له تواصل موضوعي مع الصراع العربي - الإسرائيلي، بل إن الديموقراطيين أكثر تقارباً معها، ويبقى العراق جسد المشكلة ومفتاح حلها، فهل نشهد سياسة مختلفة تراعي مصالح أميركا قبل حلفائها؟ لا ندري، لكن الأيام حبلى بكل مفاجأة.