لعله كان من البديهي أن تظهر الطائفية أو المذهبية في هذه المرحلة، كتعبير عن أزمة نشأة الدولة العربية وعن الطبيعة السياسية للسلطة وعن وجود أزمة تواجهها استراتيجية الغرب في المنطقة، فالطائفية هي أحد المتغيرات الكامنة التي يستطيع الغرب أن يفعلها لتصبح متغيرا تابعا لاستراتيجيته متى اقتضت مصالحه ذلك، فالتجربة التاريخية دلت دائما،
أن التلاعب بمثل هذه المتغيرات يكون عادة في إطار تصدي الغرب لظاهرة أو ايديولوجيا تهدد أو تحمل في مفهومها نفيا لأسس الدولة القطرية التي وضع الغرب شروطا ومواصفات وجودها كضمانة لاستمرار استراتيجيته، فقد كان الدين في مرحلة سابقة هو المتغير الذي جرى توظيفه في مواجهة الايدولوجيا القومية التي كانت تطرح نفسها كبديل عن هذه الدولة ولم يكن الدين بالصيغة المطروحة يومها متعارضا مع وجود هذه الدولة،
غير أن الدين بالصيغة التي تحملها قوى وتيارات هذه المرحلة بدت لا تهدد الأنظمة فقط بل ظاهرة الدولة والأسس التي أرساها عليها الغرب عندما قام بتشكيل الجغرافيا السياسية للمنطقة على ضوء مصالحه الاقتصادية والسياسية آنذاك، وبالتالي فمن البديهي أن يصبح الدين بصيغته المطروحة في هذه المرحلة عدوا موضوعيا في نظر الغرب ومتصادما مع استراتيجيته، طالما يحمل خطابا شموليا يتجاوز في شقه السياسي الوقائع الجغرافية التي ثبتها الغرب كحدود لظاهرة الدول في المنطقة .
إن مصدر القلق الحقيقي للغرب من الظاهرة الدينية ليس خشيته منها على حقوق الإنسان والديمقراطية والعلمانية، فهو لايهمه ولا يضيره تطبيق الحدود والتعازير وإلزام النساء بارتداء الحجاب أو قيام المحتسبين برفع دعاوى التفريق بين الأزواج أو معاقبة من يتنافى سلوكه من الجمهور مع قواعد النظام والآداب التي يعتقدون أنها مستوحاة من الدين، وكذا الأمر المتعلق بتلاوة الآيات القرآنية التي تتحدث عن الجهاد وبني إسرائيل والنصارى في المساجد والجوامع،
فكل هذه الأمور ما تزال جارية منذ عدة قرون في كثير من البلدان، ولم تكن يوما مصدرا لقلق الغرب حول حقوق الإنسان أو نشر الكراهية أو التسامح، ذلك أنها كانت تمارس تحت رعاية وإشراف وتوجيه ولي الأمر القابض على نواصي الأمور داخل الإقليم المحدد الحيز الواضح الحدود التي لا يسمح الغرب بتجاوزها أو إعادة النظر فيها بأي وسيلة كانت .
إن ما يثير قلق الغرب ـ على ما يبدو ـ ويجعله مستفزا ومتصديا للتيار الديني الإسلامي في هذه المرحلة، هو الشق السياسي في خطابه الشمولي الذي يرى فيه تحديا سياسيا واقتصاديا يهدد ثوابت استرتيجيته الراسخة، طالما أن هذا الخطاب المصحوب بديناميكية حامليه، يحوي في مراميه المضمرة والمعلنة، نفيا ليس فقط للأنظمة السياسية بل أيضاً تسفيها لأسس الجغرافيا السياسية التي اعتمدها الغرب كمعايير لتوليد الدول في المنطقة.
لقد اختار الغرب إنعاش وتحريض الطائفية كمتغير تابع لاستراتيجيته في مواجهة ما تستشعره هذه الاستراتيجية من تهديد تمثله أطروحات التيار الديني وديناميكيته، ولعل هذا الاختيار كانت تمليه عدة موجبات من أهمها :
1-ليس بالإمكان قلب المعادلة القديمة بتحريض القومي على الديني لان التيار القومي في هذه المرحلة اضعف من ان يقوم بمثل هذه المهمة بعد أن أفرغته من محتواه ممارسات الأنظمة التي رفعت شعاراته إلى جانب تاريخ طويل من العداء بينه وبين الغرب لم تنته بعض فصوله الدامية بعد كما ان التيار القومي يحمل من الأطروحات التي لا تقل وضوحاً في نفيها للجغرافيا السياسية في المنطقة عن الوضوح الذي يتسم به خطاب أعداء اليوم بل ذهب في نفيها الى حد محاولة خلخلتها بقوة السلاح .
2-عدم وجود انتماء وطني يمكن توظيفه في مواجهة الأطروحة الشمولية للدين وذلك بسبب عدم تماهي الفرد مع هذه الدولة التي لا تمثل القبيلة ولا الأمة، بل مسخا جرت فبركته من العصبيات ليقف في وجه فكرة الدولة القومية وليظل كيانا هشا يحتاج على الدوام لحماية الغرب من ناحية،
ومتصلبا من ناحية أخرى معربدا في مواجهة الكيان الآخر المجاور له، ولذا فلا يوجد داخل هذا الكيان سوى أشلاء العصبيات والمذهبيات المقطوعة عن جذورها والمستعدة دائما للانفلات خارج مؤسسة هذه الدولة التي لا مبرر ولا ضامن لاستمراريتها سوى رضا الغرب عنها.
كاتب ليبي ـ جامعة بنغازي