في الوقت الذي بدا أن الوضع في العراق لا يمكن أن يصبح أكثر غموضاً أو تشوشاً أو خطورة، فإن ذلك هو ما حدث على وجه الدقة. لقد أعلن نوري المالكي، رئيس الوزراء العراقي، «صديقنا» أو عميلنا، حسبما يطيب لك وصفه، استقلاله صراحة عنا، واعتماده على أهم مؤيديه المحليين، أي رجل الدين الشيعي مقتدى الصدر وجيش المهدي التابع له.

ويبدو واضحاً للعيان الآن أن المالكي جزء كبير من المشكلة في العراق شأن الصدر ومقاتليه. ولكن الرئيس بوش يحافظ على المسار مع المالكي بكل العناد الذي أظهره على امتداد الوجود الأميركي في العراق. وقد ألقى رئيس الوزراء العراقي، مؤخراً، في وجه الإدارة الأميركية فكرة مراحل التقدم باتجاه نزع سلاح الميليشيات العراقية وتطوير جيش ووحدات شرطة عراقية يتسم بالقدرة والكفاءة.

ومؤخراً كذلك أمر القوات الأميركية بإزالة نقاط التفتيش التابعة لها في مدينة الصدر التي تعد معقل قوة مقتدى الصدر والتي يقيم فيها مليون من الشيعة في ضواحي بغداد. وكانت القوات الأميركية قد أغلقت كل الطرق المفضية من مدينة الصدر وإليها، وذلك في محاولة منها للعثور على جندي أميركي من أصل عراقي يعتقد أن رجال جيش المهدي قد اختطفوه.

من الواضح أن المالكي لن يكون له أي دور في نزع سلاح ميليشيا جيش المهدي أو فيلق بدر أو أي ميليشيا شيعية أخرى، فيما بلاده تتردى إلى الحرب الأهلية. فهو لا يثق في الجيش أو الشرطة العراقيين أكثر من أي شخص آخر. وإذا ما وقع قتال حتى النهاية، فإن المالكي يرغب في ترتيب الأوراق لصالح الشيعة.

إن ما تريده واشنطن لا أهمية له بل لا وجود له في هذا المنعطف بالنسبة للمالكي. ولن يحدث اي فارق في هذا الصدد تحديد المراحل أو عقد المؤتمرات عن بعد مع الرئيس الأميركي أو الزيارات المفاجئة إلى بغداد التي يقوم بها ستيفن هادلي مستشار الرئيس الأميركي لشؤون الأمن القومي.

وفيما نقترب من المرحلة التي حدد لها ديسمبر المقبل، والتي يفترض فيها وجود 330 ألف رجل وانخراطهم بتدريب سييء ومعدات سيئة ولا يعتمد عليها في صفوف وحدات الجيش والشرطة العسكريين على الرغم من أنهم ليسوا مؤهلين لمهمة منع الانفجار الذي يطيح بغطاء المرجل العراقي،

أعلن دونالد رامسفيلد وزير الدفاع الأميركي أنه يميل إلى الموافقة على خطة تقضي بإضافة ثلاثين ألف رجل آخرين إلى ذلك الجيش وتلك الوحدات. ذلك يضمن أن المدربين والمستشارين الأميركيين للقوات العراقية وكذلك الجنود الأميركيين الآخرين المتورطين والذين تبلغ أعدادهم 147 ألف رجل سيظلون في العراق في المستقبل المنظور ما لم يأمرهم المالكي جميعاً بالخروج من العراق والعودة إلى بلادهم.

الأمر يبدو كما لو أن ثلاثين ألف جندي عراقي آخرين بالتدريب نفسه الذي نفذ على عجل وبالقيادة التي توضع موضع التساؤل وبالولاءات المشكوك فيها باعتبارهم الدفعة الأولى قد يحدثون أي فارق على نحو من الأنحاء. وفي حرب مليئة بالإيماءات المحبطة، فإن هذه الإيماءة تفوز بالقدح المعلن، يا وزير الدفاع!

وفي غضون ذلك، تذكر صحيفة «نيويورك تايمز» أنها قد توصلت إلى ملمح بالغ الأهمية، حيث يوضح جدول إيضاحي سري يعده قسم المخابرات في القيادة المركزية الأميركية أن العراق يقترب بانتظام من الفوضى. ويقيس هذا الجدول الإيضاحي الذي يعرف باسم «مؤشر الصراع المدني» التصاعد في العنف الطائفي منذ فبراير الماضي

ويبرر اتسام قوات الأمن العراقية بالافتقار إلى الفعالية والتأثير المتراجع للشخصيات العراقية المعتدلة الدينية والسياسية. ويبرز كذلك الأعداد المتزايدة للمناطق الحضرية التي ينطلق منها التطهير العرقي، ويفيد أن العنف قد وصل إلى أكثر مستوياته ارتفاعاً وأنه ينتشر جغرافياً في العراق.

هذا الجدول يعكس القلق المتزايد في صفوف القادة العسكريين الأكثر اقتراباً من الحرب في العراق، وهو تحذير من أن الأسوأ يمكن أن يكون مطلاً في الأفق. وهو يشكل مفارقة لإعلانات الرئيس بوش الأخيرة التي أفاد فيها أنه على الرغم من أن العراق في وضع صعب إلا أننا نكسب والنصر والمجد سيكونان لنا- أو بالأحرى له- في نهاية المطاف.

ومن الواضح كذلك أن قادتنا العسكريين الذين يرتدون الأزياء الميدانية يشعرون بالقلق من أنه عندما يفرض بوش ضغطه فإن المضطلعين بالمسؤولية الإدارية الجزئية سيلقون باللوم عليهم لإخفاقهم في إحراز النصر بعدد جد محدود من القوات وبحرية محدودة للغاية في تغيير مسار فاشل.

وتشير أحدث استطلاعات الرأي أن عدد العراقيين الذين يرغبون في خروجنا من بلادهم تصل نسبتهم إلى 70% من إجمالي السكان. وقد يكون من المثير للسخرية أن عدد الأميركيين الذين يرغبون في خروجنا من هناك أيضاً يقترب من النسبة المئوية ذاتها.

إنهم يرغبون في خروجنا، ونحن نرغب في الخروج. وليس هناك ما يقف في طريق إرضاء الأغلبيتين كلتيهما إلا رئيس ونائب رئيس ووزير دفاع على استعداد للقتال حتى آخر رجل، على استعداد لدفع عسكريينا إلى الدمار الشامل، قبل إقرارهم بأنهم على خطأ،من البداية المضللة وحتى النهاية التعيسة.

خدمة «لوس أنجلوس تايمز»

خاص ل«البيان»