ما هو نموذج الديمقراطية الأمثل؟ وما هي وصفات الديمقراطية التي يجب أن تعتمد من قبل الدول النامية أو الدول التي تسمى بالسلطوية أو الدكتاتورية أو غير ذلك من التسميات؟ وهل هناك وصفة متفق عليها عالميا ووصفة نموذجية تصلح لجميع الدول و لمختلف الشعوب و الحضارات و الثقافات؟ و هل هناك دول تعطي دروسا في الديمقراطية و تفرضها على دول أخرى؟
و هل العلاقات السياسية والاقتصادية الدولية علاقات تتسم بالديمقراطية و العلاقات المتكافئة و العادلة بين أغنياء و فقراء هذا العالم؟ إعلان الدوحة - الذي أقره المؤتمر الدولي السادس للديمقراطيات الجديدة أو المستعادة الذي أنعقد الأسبوع الماضي في قطر- ركز على التعاون المثمر والإيجابي بين ثلاث جهات رئيسية في المجتمع وهي الحكومة، البرلمان و المجتمع المدني. تتمثل إشكالية الديمقراطية في دول العالم الثالث في ضعف الجهات الثلاث مع الأسف الشديد.
فالحكومة تعاني من مشكلات عديدة أهمها الإدارة الرشيدة والكفاءة و التواصل الفعال مع الشعب والمجتمع المدني. أما البرلمان فتتمثل انشغالاته في معظم الأحيان في مشكلات أعضائه واهتماماتهم وانشغالاتهم وانشغالات ومصالح أفراد عائلاتهم وأصدقائهم وهذا على حساب مصالح الأمة.
أما المجتمع المدني فهو الحلقة الأضعف في هذه المعادلة حيث انه يكاد ينعدم في الكثير من الأحيان ويكون ضعيفا جدا في حالة وجوده وهذا لعقمه و عدم فاعليته و قدرته على المشاركة السياسية و صناعة القرار. وفي غالب الأحيان نلاحظ احتواءه من قبل السلطة و يصبح أحد أدواتها بدلا من أن يكون سلطة مضادة تراقب السلطات الثلاث في المجتمع ويحرص على احترام القوانين والمصلحة العامة في المجتمع .
الإشكال الآخر الذي يفرض نفسه في موضوع الديمقراطية هو أنه لا يوجد نموذج موحد للديمقراطية بل نلاحظ أن لكل دولة خصوصيتها ولكل دولة طريقتها في النظر للأشياء وهذا انطلاقا من التركيبة البشرية فيها ومواردها المادية والعلاقة بين السلطات الثلاث والعلاقة بين الدين والدولة ...الخ.
فالديمقراطية ليست بضاعة معلبة تستورد و ليست نموذجا واحدا يطبق على جميع دول العالم ونجاح وصفة ديمقراطية معينة في دولة لا يعني أن تلك الوصفة ستنجح في دولة أخرى وستكون الحل الأمثل لمشاكلها وعلاقة السلطة بالشعب والحاكم بالمحكوم. ففي هذه الأيام نسمع عن دول عظمى تريد إعطاء دروس في الديمقراطية لدول معينة ونقرأ عن تطبيق الديمقراطية الأميركية في الدول الخليجية و الدول العربية الأخرى وفي أنحاء أخرى من العالم.
ونسمع عن تطبيق الديمقراطية في العراق كحالة نموذجية وتصديرها لباقي الدول العربية. الديمقراطية ثقافة وسلوك وأسلوب حياة يبدأ من الخلية الأولى في المجتمع وينتهي في قمة الهرم السياسي في البلد والذي يشرف على صناعة القرار. فما معنى الديمقراطية في مجتمع يسوده الفقر وما مغزى الديمقراطية في بلد تنتشر فيه الأمية والجهل والشعوذة والأوبئة والأمراض وما إلى ذلك.
فالديمقراطية تقتضي القضاء على الفقر وتقتضي تكافؤ الفرص والرشادة الاقتصادية والإدارة الفعالة والتبادل التجاري والعلاقات الاقتصادية الدولية المبنية على الشفافية والعدالة وتكافؤ الفرص. الملاحظ أن النظام النقدي الدولي مبني على أسس غير عادلة وقائمة على هيمنة الدول العظمى على باقي دول العالم. العلاقات الاقتصادية الدولية تعاني كذلك من خلل رهيب و فجوة كبيرة بين الدول الغنية والدول الفقيرة في العالم.
المنظمات الاقتصادية الدولية كصندوق النقد الدولي و منظمة التجارة العالمية أدوات في يد نخبة من الدول تصول وتجول كما تشاء في نظام الأحادية القطبية. فالديمقراطية تقتضي تعزيز التنمية المستدامة والمشاركة الشعبية في الحكم و في صناعة القرار سواء على مستوى المؤسسة الاقتصادية أو السياسية أو الثقافية أو الدينية الخ.
نجاح الديمقراطية يعتمد أساسا على تكييفها وملاءمتها للظروف الموضوعية والخاصة بالمجتمع الذي تطبق وتمارس فيه. والعبرة هنا لا تتمثل في الوسائل التي نستعملها للوصول للديمقراطية بقدر ما تتمثل في اقتناع الحاكم والمحكوم وفي قناعة السلطة ومؤسساتها وكذلك الشرائح الاجتماعية المختلفة في الفعل الديمقراطي. فالثقافة الديمقراطية تقدس الفعل الديمقراطي على مختلف المستويات والمؤسسات انطلاقا من الفرد إلى العائلة إلى المؤسسة.
وهذا يعني أنه من المستحيل فرض الديمقراطية من الخارج أو استيراد الديمقراطية من واشنطن أو لندن وإنما الديمقراطية يجب أن تكون وصفة محلية تنبع من الداخل وبقناعة الحاكم والمحكوم ومختلف القوى الفاعلة في المجتمع بمختلف أطيافها و مكوناتها، فالإصلاحات الديمقراطية
يجب أن تنبع من الداخل مع الأخذ في الحسبان الثقافات و التقاليد التي يتميز ويختص بها كل مجتمع على حدة وهنا يجب الاستفادة من الثراء والتنوع الذين تتسم بهم النظم السياسية و نماذج الأعمال الحرة و النزيهة التي تقوم على الخصوصيات الوطنية و الإقليمية و الخلفيات المتعددة،
هذا يعني أن القوى العظمى الفاعلة في النظام الدولي يجب أن تعترف وتقتنع بحق الشعوب في تحديد الطرق والسبل التي تتبعها لإدارة شؤونها وأمورها ولتنظيم العلاقات المختلفة بين مؤسساتها للوصول إلى الديمقراطية وإقامة المؤسسات لإجراء عملية انتخابات حرة و نزيهة.
ما يحدث هذه الأيام في العالم هو السلوك غير الديمقراطي للدول الصناعية الكبرى والدول المتقدمة والتي تدعي أنها ديمقراطية، هذه الدول تحاول أن تطبق الديمقراطية في دول أخرى بأساليب دكتاتورية وطرق تعتمد على الكذب والتزييف والتلاعب بالرأي العام. والتاريخ مليء بالدروس وبالتحالفات الكبيرة والاستراتيجية بين الأنظمة التسلطية والدكتاتورية في العالم والدول التي تعطي الدروس في الديمقراطية.
من جهة أخرى نلاحظ المغالطات الكبيرة التي تشوب مصطلح الديمقراطية، فالكثير ينظر للديمقراطية على أنها ممارسة سياسية فقط وتتعلق بالمؤسسات السياسية وصناعة القرار السياسي في البلد. والواقع أن للديمقراطية أبعادا اقتصادية واجتماعية وثقافية وسياسية وهناك علاقة جدلية بين التنمية الاقتصادية والاجتماعية من جهة والديمقراطية وحقوق الإنسان ونظم الإدارة من جهة أخرى.
فالديمقراطية اليوم في دول العالم الثالث تعني توفير فرص التعليم و العمل والسكن ومستلزمات العيش الشريف والكريم. وإذا انعدمت مستلزمات وشروط الحياة الشريفة و الكريمة و فرص التعليم فالكلام عن الديمقراطية يعتبر ضربا من الهراء وضياعاً للوقت. ولهذا نقرأ عن شراء الأصوات في العمليات الانتخابية في العديد من الدول النامية بسبب عدة عوامل من أهمها انعدام الوعي والثقافة الديمقراطية و انعدام أخلاقيات السلوك السياسي
و أهم من كل ما تقدم انتشار البطالة و ضعف القدرة الشرائية وانتشار الرشوة ومختلف الطرق غير الشرعية وغير الأخلاقية للاسترزاق. فالدول العربية كما باقي دول العالم الثالث لا يجب أن تنتظر دروسا من الخارج ولا وصفات مفصلة في واشنطن أو لندن أو باريس لتمارس الديمقراطية وتنعم بمحاسن الحكم الراشد.
كلية الاتصال - جامعة الشارقة