كل يوم يمر من عمر الصراع العربي الاسرائيلي يشهد جريمة اسرائيلية على نحو ما فإذا بردت ساحة الصراع في فلسطين لجأت اسرائيل إلى شن عملية عدوانية واسعة النطاق ترتكب خلالها مجزرة أو عددا من المجازر وتهدم خلالها البيوت والمساجد وتجرف المزارع وتقتلع أشجار الزيتون وعلى وجه العموم فهي تجرد الفلسطينيين من امكانيات الحياة الطبيعية .
ولكن ثمة هدفا أكثر خبثا من مجرد ترهيب الفلسطينيين وصرف انتباهم عن قضيتهم الام وهي التحرر المطلق من الاحتلال واقامة الدولة المستقلة ؛ هذا الهدف (المرحلي) الاسرائيلي هو دفع الفلسطينيين بفعل الغضب العارم من المذابح وسياسة التطهير العرقي إلى تنفيذ عمليات تفجير في أوساط المدن لتقدم اسرائيل بذلك مبررا جاهزا إلى المجتمع الدولي لارتكاب مجازر جديدة وهكذا دواليك .
فبالامس مجازر في بيت حانون وفي اليوم الذي قبله في بيت لاهيا ثم بيت إيل وهكذا تتعدد (البيوت) المنكوبة فبيوت من هذه التي تتهدم على رؤوس اصحابها ؟ انها (بيوت) الشعب الفلسطيني ، اي ان اسرائيل في كل مرة تنقل المعركة دائما من مدينة أو حي فلسطيني إلى مدينة وحي آخر كي تظل جذوة الغضب قائمة ولا يلتقط الشعب الفلسطيني أنفاسه ليفكر بلغة المبادرة بدلا من لغة رد الفعل .
ومع بشاعة ما ترتكب اسرائيل من فظائع إلا ان الفلسطينيين مطالبون بأمرين هامين للخروج من هذه الملحمة الدامية منتصرين ولو بعد حين ، الأول هو السيطرة على الاعصاب والتوقف عن اصدار البيانات الساخنة التي تعطي بدورها لاسرائيل مبررات لمزيد من العدوان ، والثاني التمسك حتى آخر مدى بالحق العادل والثابت والدائم المعزز بالقرارات والمواثيق الدولية على نحو لا يقبل اللبس ، ومهما طال الأمد فان يوما سيأتي محملا بحقوق الفلسطينيين حين تعتدل الموازين الدولية وتصبح العدالة الدولية ذات وجه واحد وتنطبق على بني البشر دون تمييز ، وها نحن نرى القضية الفلسطينية ماضية في طريقها بفعل تضحيات ابنائها ودمائهم الزكية.
إن الذين يدعمون العدوان الاسرائيلي يخسرون في النهاية وسيأتي اليوم الذي لا تجد فيه اسرائيل نصيراً لاعتداءاتها، وعلى القادة الفلسطينيين أن يتحلوا بالصبر وبعد الرؤية فيتفقوا على كلمة سواء ويشكلوا حكومة وحدة وطنية تشارك فيها كافة القوى دون انفراد فصيل عن الآخر، فهذا التوحد دليل قوي لاسرائيل وأعوانها أن القضية في أيد أمينة ومحروسة بعيون مفتوحة وعقول حصيفة لا تستدرجها المذابح التي ترتكبها اسرائيل الى فقدان بوصلة العمل المقاوم متعدد الاشكال.
إن رؤية المجتمع الدولي المشوهة تعطي اسرائيل المبررات لعدوانها لكنها لا تعطي الفلسطينيين حق الدفاع عن النفس او المقاومة، وهذه الرؤية المعوجة بحاجة إلى ذكاء سياسي لتعديلها، ولا يعدم الفلسطينيون هذا الذكاء السياسي.
ويبقى على المجتمع الدولي قاطبة ـ بما فيه العرب ـ بل وفي مقدمتهم أن يبادر الى إدانة قوية وحازمة لمجزرة بيت حانون أمس وكل المجازر التي ترتكبها اسرائيل وأن يسعى إلى دعم الموقف الفلسطيني حتى آخر المطاف وحتى أن يأمن البيت الفلسطيني وساكنوه من غدر الغادرين.