تشير استطلاعات الرأي وآراء الخبراء إلى تراجع الرضا الشعبي عن أداء الإدارة الأميركية وعن أداء الجمهوريين بالكونغرس.
فمستقبل الجمهوريين سواء في الكونغرس أو في الانتخابات الرئاسية القادمة زادت سلبية بعد غزو العراق الذي أحدث شرخاً كبيراً في المجتمع الأميركي وفي المعسكر اليميني الحاكم على حد سواء. والنتيجة أن واحداً فقط من كل 5 أميركيين أصبح يؤيد سياسة بوش في العراق.
ولا يخفى على أحد أن التحالف اليميني الأميركي في الانتخابات الحالية هو نفس التحالف الذي حقق نجاحات سياسية مستمرة على الصعيد السياسي الأميركي منذ عام 1994، وهو الذي تمكن به الجمهوريون من الفوز بأغلبية مقاعد مجلس النواب الأميركي لأول مرة منذ عقود.
ففي عام 2000 فاز المرشح الجمهوري جورج دبليو بوش بالبيت الأبيض بعد منافسة صعبة مع منافسه الديمقراطي آل غور، وبعد أحداث 11/9/2001 وصلت شعبية الرئيس جورج دبليو بوش إلى مستويات عالية مكنته من الحصول على تفويض سريع من الكونغرس بشن الحرب على نظام طالبان بأفغانستان وسط مساندة أميركية داخلية وخارجية عالية.
وفي ظل هذه الأجواء تمكن التحالف نفسه من الفوز بانتخابات الكونغرس النصفية عام 2002 بأغلبية مقاعد مجلس الشيوخ، ومن دفع الولايات المتحدة إلى غزو العراق عسكرياً على الرغم من المعارضة الشعبية والدولية الكبيرة، التي لم تمنع بوش من الفوز في انتخابات 2004 الرئاسية كما فاز الجمهوريون بانتخابات الكونغرس أيضاً.
وهذه النجاحات جاءت نتيجة التحالف ضخم من الجماعات اليمينية الأميركية التي قامت بعمل شاق على الصعيد الفكري والإعلامي لعب المحافظون الجدد ووسائل الإعلام اليمينية دوراً متميزاً وكبيراً في حشد دعم الرأي العام الأميركي لسياسات إدارة بوش.
سياسياً تمكن الجمهوريون من تعبئة قوى المسيحيين المتدينين (حوالي 30 مليون ناخب) بشكل غير مسبوق، إضافة إلى حصولهم على تأييد الأثرياء المستفيدين من خفض الضرائب، وعلى تأييد اليمينيين التقليديين بولايات الجنوب والوسط.
إضافة إلى تأييد جماعات يمينية تقليدية مثل اليمينيين المنادين بالحد من دور الدولة وحجمها، وجماعات يمينية جديدة كبعض أبناء الأقليات (كاليهود الأميركيين) الذين انضموا إلى معسكر الجمهوريين المتنامي والمسيطر على مقاليد السلطة.
ولكن حجم هذا النجاح المتصاعد الذي حققه الجمهوريون من نجاحات سياسية منذ عام 1994 بدء بالانحدار نتيجة للسياسات التي انتهجتها إدارة الرئيس بوش بعد أن بدأت الحرب على الإرهاب والحرب في العراق.
وهذا بدا واضحاً في العديد من الكتابات الأميركية التي لم تخل من التشاؤم بمستقبل الجمهوريين والتي تفاقمت بعد الغزو العسكري على العراق الذي أحدث شرخاً كبيراً في المجتمع الأميركي وفي المعسكر اليميني الحاكم على حد سواء.
فعلى سبيل المثال لا الحصر الكاتب والسياسي الأميركي المعروف بات بيوكانان الذي نشر كتاباً في عام 2004 بعنوان «أين أخطأ اليمين؟ كيف أجهض المحافظون الجدد ثورة ريغان واختطفوا رئاسة بوش؟».
والمعروف أن بيوكانان ينتمي لتيار المحافظين التقليديين وهو تيار علماني مقارنة بالمسيحيين المتدينين. كما أنه يميل للسياسة الانعزالية ويرفض النزعة التدخلية في السياسة الخارجية الأميركية، ويفضل في المقابل التركيز على الداخل وعلى برامج المحافظين التقليدية مثل خفض الضرائب والحد من حجم الحكومة الفيدرالية وإغلاق الباب أمام الأجانب.
بيوكانان ومعظم اليمين التقليدي، وهو التيار الأكبر، تبنى نظرية تلقي بالجانب الأكبر من اللوم على مجموعة واحدة من الجماعات المشكلة للتحالف اليميني الحاكم حالياً.
وهي «المحافظون الجدد» الذين أعلن بيوكانان في كتابه أنهم «اختطفوا رئاسة بوش» وقادوه إلى إنتاج سياسات تتنافى مع توجهات اليمينيين التقليديين الذين يمثلهم مثل التمادي في زيادة البرامج الحكومية وفي النزعة التدخلية في السياسة الخارجية والإفراط في استخدام القوة.
كما رأى بيوكانان في كتابه أن المحافظين الجدد هي «مجموعة دخيلة» على اليمين الأميركي كما أنها مجموعة من المفكرين المتمركزين في واشنطن والذين يفتقرون للقواعد الجماهيرية الحقيقية وسط الناخبين الجمهوريين.
وهؤلاء امتلكوا سلطات غير مسبوقة داخل الحزب الجمهوري وداخل النظام السياسي الأميركي سببت لهم الكثير من الغرور والغطرسة والإفراط في اللجوء لاستخدام القوة وقادتهم لارتكاب الكثير من الاخطاء الكبيرة.
وهذه النظرية التي ألقت باللوم على المحافظين الجدد لاقت ترحيباً واسعاً في العديد من وسائل الإعلام الأميركية والدولية لا سيما مع ازدياد المعارضة الشعبية والدولية للحرب في العراق، التي ينظر إليها على أنها نتاج لفكر المحافظين الجدد كجماعة محددة داخل التيار اليميني الأميركي الحاكم.
على هذا الأساس يرى غالبية اليمين التقليدي بأن التحالف الأميركي الحاكم يعاني من خطرين عظيمين يهددان مستقبله، أولهما الغرور والإفراط في استخدام القوة، وثانيهما الشعور بالقوة والانشغال بالمنازعات الداخلية على حساب الانشغال بحماية القوة وزيادتها.
والتحديات الكبرى التي يواجهها الجمهوريون الجدد حالياً هي نتيجة لسياسات متطرفة أهمها الحرب في العراق وفضائح الفساد وسوء استغلال السلطة التي مست عدداً كبيراً من قياداتهم بالكونغرس وبالبيت الأبيض، إضافة إلى الانقسامات التي زرعتها سياسات الإدارة الأميركية في أوساط الجمهوريين أنفسهم، إذ لم تحرص على خفض ميزانية الحكومة الفيدرالية وبرامجها كما يريد المحافظون التقليديون.
كما انتهجت الإدارة الحالية في قضايا الحقوق والحريات المدنية سياسات أثارت حفيظة كثير من الجمهوريين التقليديين بتقليص نفوذ الدولة وقدرتها على التدخل في حياة الأفراد، إضافة إلى موقف بعض قيادات الجمهوريين في مجلس الشيوخ من أمثال تشك هيغل وجون ماكين اللذين عارضا سياسة الإدارة الأميركية في إدارة الحرب على الإرهاب.
وفي التعامل مع قضايا حقوقية حساسة مثل تعذيب المعتقلين. أضف إلى ذلك موقف الإدارة المتردد من قضايا الهجرة، إذ لم تتمكن من وضع برامج عفو واسعة عن المهاجرين بشكل يحسن سمعة الجمهوريين وسط الأقليات اللاتينية المتنامية، مع علم الإدارة بحاجة الجمهوريين المتزايدة في المستقبل لأصوات الأقليات والمهاجرين.
إن اليمين الأميركي يعيش حالياً أزمة كبيرة بغض النظر عن نتائج الانتخابات التشريعية وهذا يدفعنا إلى الاعتقاد بأن اليمين الحاكم ليس أمامه إلا أن يعترف بأخطائه الكبيرة ويبدأ بتغيير سياساته الداخلية والخارجية للحفاظ على قواعده الجماهيرية العريضة ويبدل من سلبية الرأي العام الدولي تجاه السياسة الأميركية الحالية.
وفي حال سيطر الديمقراطيون على مجلس النواب وربما الشيوخ أيضاً، فسيشهد العالم تغييراً كبيراً في السياسات الداخلية والخارجية الأميركية من خلال رئاسة اللجان داخل الكونغرس والموافقة على الموازنة بشكل لم يتمكنوا من فعله منذ عام 2001، عندما غادر الرئيس الديمقراطي السابق بيل كلينتون البيت الأبيض.
وستنال العلاقات الدولية خاصة اهتماماً كبيراً حسبما صرح النائب توم لانتوس الذي قد يتولى رئاسة لجنة العلاقات الدولية بمجلس النواب والسناتور جوزيف بيدن الذي قد يصبح بدوره رئيساً للجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ.
كلاهما يرى أن هناك تدهورا واضحا في علاقات الولايات المتحدة مع عدد كبير من دول العالم ولهذا فإنه سيكون من الضروري إجراء محادثات أميركية مباشرة مع دول العالم لتصحيح العلاقات، بما في ذلك إجراء مفاوضات مباشرة مع كوريا الشمالية وإيران.
أما فيما يتعلق بقضايا الشرق الأوسط فلا يتوقع حدوث تغيير جذري بغض النظر عن نتائج الانتخابات التشريعية الأميركية. فمواقف الحزبين السياسية تجاه القضية الفلسطينية متشابهة كثيراً خاصة في دعمهم للمواقف الإسرائيلية، وبالنسبة للعراق فكلا الحزبين يفتقران لرؤية واضحة للخروج من المستنقع العراقي وتداعياته على مستقبل العراق السياسي والمنطقة المجاورة له.
كاتب وباحث سياسي