إن حلمنا اليوم هو تحقيق المشاركة السياسية الكاملة وممارسة الديمقراطية على أوسع نطاق. وهذا هو حلم المرحلة التي نعيشها، بعد أن تمكنا في المرحلة السابقة من تحقيق حلم عزيز بفضل جهود المغفور له بإذن الله الراحل الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان طيب الله ثراه، أعني حلم الوحدة وبناء دولة المؤسسات وتكوين جيش نظامي متماسك وتفعيل الدستور الفيدرالي لدولتنا الاتحادية الصاعدة.
ولأن حلمنا الجديد حلم غال، فإننا نحرص كل الحرص على أن يسير على طريق سليم دون الانحراف بهذا الحلم يميناً أو يساراً.ومن هنا يأتي تقديرنا لقرار صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة «حفظه الله»، كما يأتي تقديرنا لما في القانون الجديد من مميزات.
وبالمثل يأتي نقدنا لما فيه من سلبيات لمشاركة القيادة بالرأي ولتوجيه العملية الديمقراطية نحو الوجهة التي تعبر عن طموح هذا الشعب وتساعد على تحقيق النوايا الطيبة لقادتنا في نقل هذه البلاد نحو أفق جديد من آفاق الحياة السياسية.
ولذا نطمح أن تكون الأربع سنوات المقبلة مرحلة انتقالية يعقبها مرحلة المشاركة السياسية الكاملة، وأن يكون المجلس الوطني منتخباً كله عن طريق الجماهير الاتحادية دون استثناء.
لكن هذا الانتقال الذي نطمح له لابد أن يأتي بعد حملات تثقيف وتوعية على أوسع نطاق، بجوار تفعيل دور مؤسسات المجتمع المدني، وتوعية الناس بدورهم وضرورة مشاركتهم الفعالة فيها، فبدون هذا لا يمكن أن يتم الانتقال.
وأن تهيئة الجماهير لهذا الانتقال نحو الديمقراطية أمر يستحق تضافر كل الجهود، فهذا هو حلمنا الجديد، بل هذا هو مشروعنا الاتحادي المقبل الذي لابد أن نكرس له أنفسنا وطاقاتنا.
وأول خطوة ينبغي التأكيد عليها هي أن عبء نشر الوعي السياسي لا يقع على الحكومة وحدها، بل يقع أيضا على المجتمع المدني والمثقفين، فالعلاقة وثيقة بين المجتمع المدني والديمقراطية، وخاصة فيما يتعلق بحق الاختلاف في الآراء وفي المصالح المادية والمعنوية.
ومنظمات المجتمع المدني هي مدارس للتنشئة السياسية على الديمقراطية. فسواء كانت جمعية خيرية، أو نادياً رياضياً، أو رابطة ثقافية، أو حزباً سياسياً، فإنها تدرب أعضاءها على الفنون والمهارات اللازمة للديمقراطية في المجتمع الأكبر:
الالتزام بشروط العضوية، وحقوقها وواجباتها، والمشاركة في النشاط العام، والتعبير عن الرأي، والاستماع إلى الرأي الآخر، وعضوية اللجان، والتصويت على القرارات، والمشاركة في الانتخابات، وقبول النتائج، سواء كانت على هوى العضو أو عدمه.
إن ربط المجتمع المدني بالتحول الديمقراطي في الإمارات، ضروري خاصة وان كل من ينحاز إلى مصالح الناس لابد وان يفتح المجال للديمقراطية، ويعطي المجتمع المدني المساحة اللائقة به، وفي ظني انه لا يمكن أن يوجد مجتمع مدني حقيقي إلا بتفعيل الديمقراطية فيه وفي سائر قطاعات المجتمع المدني.
ذلك أن الديمقراطية في المجتمع المدني غير منعزلة عن الديمقراطية في سائر قطاعات المجتمع العام. وإذا كانت الديمقراطية هي الأسلوب الأمثل في إدارة المجتمع المدني، فإنها لا يمكن أن تحقق أغراضها، بل ولا يمكن أن تكون ديمقراطية حقيقية، دون أن تعم سائر القطاعات، من أسفل إلى أعلى، بحيث تعتبر ديمقراطية كاملة وليست ديمقراطية مبتورة بمعناها الغربي التقليدي أو بمعناها الشرقي المزيف.
ومتى يقوم المجتمع المدني في دولتنا الاتحادية بدوره في توعية الناس فلابد أن تقوم الحكومة بتبني الدعوة إلى التوعية السياسية، لماذا؟
بسبب الثقافة السياسية في الإمارات، كمجتمع يقوم على الحكومة المركزية، ولا تؤخذ كثير من الأمور مأخذ الجد إلا إذا شعرت الجماهير الاتحادية والعاملون في الجهاز الحكومي باهتمام الدولة والحكومة.
ومن ثم نتطلع إلى أن تتبنى الحكومة الدعوة لإنعاش الحياة السياسية، وهذا ما بدأت به الحكومة الاتحادية فعلاً، لكن عليها أن تواصل تدعيم هذا الإنعاش وتطويره. فلابد من زيادة جرعة الثقافة السياسية بهدف إحداث حالة من المشاركة الإيجابية عند الجماهير الإماراتية، ومن ثم تحدث حالة من التفاعل مع الشارع الإماراتي، ويصبح هناك رأي عام حقيقي يمكنه أن يؤثر في صنع السياسات العامة.
وهنا يأتي دور المثقفين الإماراتيين، إذ عليهم أن ينزلوا من أبراجهم العاجية إلى الشارع، إلى المنتديات العامة، إلى شعب الإمارات، وأن يقوموا بجهد واضح في نشر الوعي سواء من خلال الدوائر القريبة الخاصة بكل منهم أو من خلال الصحافة والإعلام والنوادي الثقافية.
ولا شك أن عبء التحول الديمقراطي لا يقع وحده على الحكومة بل يقع أيضاً على المثقفين الذين لا يزال أمامهم لائحة واجبات طويلة إذا أرادوا أن يضطلعوا بدور في النهوض باتحادهم الإماراتي.
فليست الواجبات كلها على الحكومة، بل على المثقفين كذلك، لأن عليهم النزول إلى أرض الواقع المجتمعي لوصفه وتحليله وفهمه، والتعبير عن ذلك في شكل أعمال علمية تطبيقية «إذا كان مفكراً وخبيراً»، أو أعمال إبداعية «إذا كان مفكراً فناناً أو أديباً» أو للانطلاق من هذا الواقع إلى رؤى مستقبلية وإلهامية «إذا كان المثقف خبيراً ومبدعاً في الوقت نفسه».
على المثقفين القيام بإجراء حوار مع المجتمع، كخطوة مصاحبة للحوار مع المثقفين الآخرين، ويتطلب ذلك من المثقف النزول تدريجياً، أو بين الحين والآخر، من برجه العاجي إلى مستوى الأغلبية من الجماهير الاتحادية.
ويتأتى ذلك من خلال احترام مقدسات الجماهير، حتى ولو كان هو متحفظاً أو ناقداً لها. وليتذكر أنه حتى لو كان سابقاً للجماهير في رؤيته وبصيرته، فإنه لا ينبغي أن يوحي لها في خطابه أن الهوة بينه وبينها أميال وفراسخ طويلة، حتى لا تيأس من اللحاق به. وكذلك ينطوي الحوار مع المجتمع على تسهيل لغة الخطاب وعدم تعقيده لفظياً ومعنوياً، وعدم الإغراق في تجريد الأعمال الإبداعية.
وفي هذا الإطار يجب فتح حوار حر تشارك فيه كل القوى الاجتماعية حول تحديد الأهداف المرحلية والطويلة الأمد للمجتمع. وفي هذا الحوار لابد من تشجيع المثقفين على الإسهام بآرائهم بحرية كاملة، حتى ولو كانت تنطوي على أشد الأمور حيوية بالنسبة للمجتمع.
ومن ثم يجب تشجيع المثقفين على تقديم خلاصة فكرهم واجتهادهم للمجتمع، إما من خلال صحافة حرة وكتاب حر، أو من خلال مؤسسات ومجالس متخصصة ذات استقلال كامل، أو غير ذلك من قنوات التعبير.
ومن جهة أخرى هناك عبء على المجتمع؛ إذ عليه أن يأخذ ما يقدمه المثقفون مأخذ الجد، قولاً وعملاً.
وبالنسبة للمجتمع أيضاً ينبغي أن يكف عن قهر المثقفين، ويضمن الحد الأدنى من الأمان النفسي والبدني لهم، وحرية الانتقال في الداخل والسفر إلى الخارج، والإنتاج الفكري والثقافي، مع الانتقائية في إتاحة وسائل التعبير لهم في قنوات الاتصال الجماهيري في تلك المسائل التي لا يرى فيها ضرراً بمصالحهم أو مساساً بذاته. وأن يسمح للمثقفين بأن يؤسسوا روابط لهم ويتحاوروا معاً، ما دام حوارهم يفيد المجتمع.
وعلى المثقف أن يدرك أن المجتمع دائماً يريد إجابات وحلولا عملية لمشكلاته في إدارة المجتمع والوفاء باحتياجاته وأنه مهما كان اتساع ثقافة المجتمع، إلا أنه في نهاية اليوم يريد أن يكون قد تعامل مع مشكلات هذا اليوم لينام آمناً!
جامعة الإمارات