أطل الصهيوني العنصري افيغدور ليبرمان بوجه سفاح جديد، من وراء «غيوم الخريف» الاسم الرمزي لأحدث عدوان إسرائيلي على غزة الصامدة الجريحة، وكأنه يستعد لتسلم مقعد السفاح المحتضر ارييل شارون، بعد أن عجز زعيم حزب «كاديما» ورئيس الحكومة ايهود اولمرت عن ملئة رغم اجتهاده ومبالغته في تقمص الدور، وتطبيق مقولة رائد عصابة الإرهابيين الصهاينة الأوائل والمذابح والإبادة «أنا أقتل اذن فأنا موجود».
بظهور ليبرمان زعيم حزب «إسرائيل بيتنا» معقل الصهاينة القادمين من روسيا، وتوليه منصب نائب رئيس وزراء إسرائيل وزيراً مسؤولا عن الشؤون الاستراتيجية، يجسد مدى الوقاحة الصهيونية، في مقابل حجم البلادة الدولية والعربية.
ففي الوقت الذي تصدع رؤوسنا بتصريحات الشجب والإدانة لحكومة حركة حماس، وتصويرها وكأنها السبب في كل ما لحق بالفلسطينيين من حصار وتجويع، وتشريد ومجازر، لا نسمع مجرد همس أو لمز أو غمز في قناة الصهاينة من عصابة المذابح الجماعية ودعاة التطهير العرقي للفلسطينيين.
بل على العكس تماما لم تنقطع نداءات النافخين في بوق الأفك، الناصحين لحماس وغيرها من المرابطين بضرورة إلقاء السلاح ورفع الرايات البيض، وحرق كل أوراق المقاومة، والاكتفاء ببهجة انتظار مواعيد الجلوس حول مائدة المفاوضات مع اللئام الأعداء، وفق أجندة مفروضة، من راعي أميركي لا يخفي انحيازه المطلق لإسرائيل.
وتتضح عبثية البلاد الدولية بالمقارنة بين الموقف من وصل حماس للحكم عبر صناديق الاقتراع، ووصل العنصري ليبرمان إلى سدة القيادة الإسرائيلية عبر تحالف حزبي نسج عقدته أولمرت. في الموقف الدولي من حماس، نجد أن الإدارة الأميركية لم تنتظر لحظة واحدة، وتحركت فور فوز حماس بالانتخابات، ووضعت حق النقض «الفيتو» .
ورسمت خطة طريق لحصارها دولياً عبر اللجنة الرباعية، وخطوات خنقها والانقلاب عليها عربيا وفلسطينيا، وصاغت شروط تعجيزية قبل القبول بأي اتصال معها، أولها الاعتراف بحق إسرائيل في تقرير مصير الفلسطينيين الذين عليهم القبول بما تمن به عليهم، والتخلي عن سلاح المقاومة. وتفكيك كل المنظمات التي تصنفها واشنطن وتل أبيب في خانة الإرهاب.
بقية القصة معروفة وما زالت فصولها معروضة على المسرح اليومي، حيث اصيبت حكومة حماس بشلل دولي وعربي، باستثناء اسناد من عواصم عددها أقل من أصابع يد واحدة.
والشعب الفلسطيني يذاق الذل والجوع حتى يدفع إلى السقوط في قاع الخنوع لنداء الامعاء الخاوية، والإيمان بحكمة زائفة تقول ان «الخبز أولا وقبل حرية الوطن» لكنه يستعصي على الاذلال والاخضاع لأنه ينهل من معين وخبرات التاريخ المقاوم منذ ثورة عز الدين القسام في الثلاثينات من القرن الماضي، وانتفاضة الحجر في نهاية الألفية الثانية.
هذا الاستقواء وتلك الغطرسة على حماس، تتحول الآن إلى بلادة مثيرة للغثيان في مواجهة صعود الصهيوني العنصري ليبرمان، أو في التعامل مع يوميات عدوان «غيوم الخريف» على غزة الذي خلف أكثر من 60 شهيداً بينهم أطفال ونساء وعجائز، وأذل العرب والمسلمين بتدمير مسجد، لكن البلادة التي تتلبسنا جميعا الآن حالت دون الشعور بالمذلة والهوان «ما لجرح بميت ايلام».
عدوان «غيوم الخريف» باعتراف صهاينة لم يكن له من مبرر عسكري، أو سياسي واضح أو ملح، سوى إشباع رغبات جامحة للقتل، أو كما زعم المحلل العسكري لصحيفة يديعوت احرنوت العبرية اليكس فيشمان أنه تدريب على عدوان أوسع وأكبر.
ورغم بشاعة وهمجية ممارسات جيش إسرائيل واستهزائه بأرواح الفلسطينيين إلا أن الشارع العربي الشعبي لم يتحرك هذه المرة، ولم ينتفض لنصرة أشقائه أو التعبير الرمزي عن تضامنه مع رفقاء المصير الواحد، ليضيف لأوجاعنا من بلادة الشارع الرسمي الحكومي، بلادة أشد وطأة هي بلادة الجماهير، بفضل إدمان مشاهد الذل حتى أصبحت بحكم العادة مشاهد عابرة لا تختلف كثيراً عن إعلانات «الكولا والكليبات الراقصة»!
حتى يكتب المولى لنا الخروج من متاهة وعبثية السكوت على المذلة الصهيونية لشعبنا، يبقى لنا ترف التفكير في بلادة المجتمع الدولي إزاء صعود العنصري الصهيوني ليبرمان، وهذا الصمت المريب على تهديداته بطرد أكثر من مليوني فلسطيني ( عرب 48) في تطبيق صهيوني بامتياز لمقولة التطهير العرقي العنصري، لاستكمال مخطط نكبة اغتصاب فلسطين، وإفراغها من سكانها، وتوطين اليهود الصهاينة الذين يتم جلبهم من أرجاء المعمورة.
هذه الدعوة العنصرية التي تمنح إسرائيل صفة آخر النظم البغيضة بعد سقوط عنصرية جنوب إفريقيا، لم تدفع حراس العدالة الدولية ودعاة الدفاع عن حقوق الإنسان لإصدار بيانات الإدانة، رغم ما عرف عنهم من سرعة في التحرك لإدانة أسر جندي إسرائيلي ، يداه ملطختان بدماء أبرياء، وأنقذت حياة آخرين كثر كان مصيرهم القتل لو ظل هذا الجندي طليقا، لكن هكذا هي عدالة البلادة الدولية!