قالت وزيرة شؤون الاندماج السويدية (اندماج الأقليات المهاجرة في المجتمع السويدي) نيامكو سابونين: إن الحجاب يعزل الطالبات المسلمات عن محيطهن مؤيدة قراراً اتخذته إحدى المدارس مؤخراً بمنع طالبة تبلغ من العمر تسع سنوات من ارتداء الحجاب.

ونيامكو سابونين تلك، البالغة من العمر 37 عاماً هي خير مثال على انفتاح النظام السياسي في السويد ذي التاريخ العريق في الديمقراطية، فهي أول امرأة سوداء تدخل مجلس الوزراء السويدي، وقد وصلت إلى السويد مهاجرة من بلدها الأصلي بوروندي وعمرها اثنتا عشرة سنة. ولعل تصريحها ذاك يشير إلى موجة التبرم والضيق التي أخذت تنتاب المجتمع الأوروبي والأميركي الشمالي من الجالية المسلمة.

وكان الرأي العام الأسترالي قد ثار في الأسابيع الماضية على بعض ما جاء في خطبة الجمعة لإمام جامع لاكمبيا بسيدني الشيخ تاج الدين الهلالي التي شن فيها هجوماً على المتبرجات وحملهن مسؤولية إغواء الرجال باغتصابهن. وقد ثارت ثائرة المنظمات النسوية شأن الحكومة الأسترالية برئاسة جون هاورد مما جاء بتلك الخطبة على اعتبار أنها تعطي مبرراً للاغتصاب وتحرض على العنف ضد النساء، وطالبت تلك المنظمات بتقديمه للمحاكمة.

وقد اعتذر الشيخ الهلالي عن سوء الفهم الذي وقع به الجمهور الأسترالي حيث أن دعوته تلك أخذت في غير سياقها الحقيقي، وأبدى استعداده للمثول أمام القضاء، بل والتطوع لمساعدة المنظمات النسوية، كما نقلت البي بي سي (3/11). ويشكل المسلمون جالية صغيرة يزيد عدد أفرادها على الربع مليون قليلاً في حين يبلغ مجمل سكان أستراليا 20 مليوناً تقريباً.

وقد ترددت في منتدى الأديان الثلاثة (اليهودية والمسيحية والإسلام) الذي عقدته كلية «يونيفرستي كوليدج» في الثاني من هذا الشهر والذي حضره وزير خارجية بريطانيا السابق جاك سترو، صاحب التصريح المشهور ضد المنقبات، أقول ترددت فكرة حدود قبول الآخر المخالف المنتمي إلى الأقلية بالنسبة للأغلبية في المجتمع الأوروبي.

فقد أعربت عدد من النساء المحجبات عن اعتبارهن أن الحجاب أو النقاب لا يؤثران إطلاقاً في إحساس المواطنة لبريطانيا، واستغربت أخريات عن ربط ارتداء الحجاب أو النقاب ومدى اندماج المسلمين في البلاد. بيد أن أحد الحضور قام وطرح سؤالاً جوهرياً حول مدى أحقية الأقليات لتمارس ما تعتقده صواباً حيث قال:

هل لي الحق في أن أذهب إلى عملي دون ثياب لو أنا من المؤمنين بالطبيعة؟! بمعنى هل يقبل المجتمع الغربي ذو الاتجاه التعددي كل أنواع السلوك والطقوس المخالفة لوجهة نظر الأغلبية المكونة له؟ أو هل يتسامح مع تلك الأفكار التي لا تتماشى مع قيمه التي أجمع عليها من خلال تطوره التاريخي الطويل والتي غدت أساساً لمنظوره في الحياة وفي السياسة؟

ولعل الحديث حول قيم المجتمع الغربي وثوابته الفكرية تقودنا مباشرة إلى الحديث عن العلمانية التي شكلت أساساً فكرياً له والتي وجدت في فرنسا تجسيدها الأوضح، لدرجة أن فرنسا الجمهورية (التي قامت بعد ثورة 1789) قد زحفت بقواتها على الفاتيكان لتحتلها مرتين الأولى في 1798 .

والأخرى في 1809 لأن البابوات فيها كانوا يحاربون النظام الجمهوري الناشئ، حسب آنري آستييه ( البي بي سي 17/12/2003). ففي فرنسا فصل تام بين الدين والدولة، حيث لا تحمل تلك مؤسسات الدولة أية صبغة دينية ويحظر بها الدعوة إلى أي دين، وهذا بالطبع ينطبق على المدارس.

وتنطلق فلسفة الجمهورية الفرنسية من خلق مواطن يكون ولاؤه للدولة الفرنسية بغض النظر عن انتمائه الديني والمذهبي، ويتم ذلك من خلال النظام التعليمي الذي يخلق بمناهجه مواطناً تابعاً للدولة. وبالتالي تحظر الرموز الدينية في المدارس، كتعليق الصلبان أو وضع القلنسوة اليهودية أو الحجاب أو العمامة بالنسبة للسيخ لأنها تؤدي إلى المس بالوحدة الوطنية.

ومثال فرنسا مهم بالنسبة لمسألة حجاب المسلمات في أوروبا، ففرنسا كما هو معروف تحوي أكبر جالية مسلمة في أوروبا حيث يقدر عددها بخمسة ملايين تقريباً معظمهم من دول شمال أفريقيا العربية كالجزائر وتونس والمغرب فضلاً عن مناطق غرب أفريقيا. وقد ثارت مسألة الحجاب في أواخر العام 2003 حينما أوصت لجنة حكومية بصياغة قانون يحظر كافة الرموز الدينية في المدارس الحكومية.

والقانون في واقع الأمر عبارة عن عرف سار عليه المجتمع الفرنسي منذ مدة طويلة، بيد أن تكاثر المحجبات وغض نظر بعض المسؤولين عنه في المناطق ذات الأغلبية المسلمة، والهلع الذي انتاب المجتمع الغربي من الجالية المسلمة بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، أدت إلى تحويل ذلك العرف إلى قانون ملزم تم تطبيقه منذ سبتمبر من العام 2004.

وفي عنفوان الأزمة، وقبيل لقائه بوزير الداخلية الفرنسي نيكولاس سركوزي الذي كان في زيارة إلى القاهرة، اتخذ الشيخ محمد سيد طنطاوي، شيخ الأزهر موقفاً عملياً من مسألة الحجاب في فرنسا لعله يكون موقفاً قابلاً للنقاش والتفكير عند الجالية المسلمة في بلاد الغرب إذ قال:

إن ارتداء الحجاب واجب على النساء المسلمات غير أن بإمكان أي دولة غير مسلمة أن تتبنى أي قوانين ترغب بها. وأضاف - وهذا هو المهم -إن أي امرأة مسلمة تتقيد بالحظر على الحجاب تعتبر من وجهة نظر الدين الإسلامي مجبرة على ذلك.

(البي بي سي 30/12/2003) وفي حين أن رأي شيخ الأزهر لم يثر زوبعة، جاءت ردود الفعل على النائبة إيكين ديليجوز، عضو البرلمان الألماني وهي مسلمة من أصول تركية، غاضبة بشدة حيث هددت في حياتها مما استدعى توفير الحماية لها من السلطات الألمانية. فهذه النائبة دعت مسلمات ألمانيا إلى طرح حجابهن( البي بي سي 2/11/2006).

إن مسألة الحجاب أو النقاب المطروحة هذه الأيام تعكس واقعاً جديداً يعيشه الغرب بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، فقد صحا الغرب على نمو جالية ضخمة تعيش في وسطه ولا تريد أن تتقبل ثوابته الفكرية أو تندمج في بنائه الاجتماعي، وإذا كان الغرب متسامحاً أيام الحرب الباردة مع هذه الجالية وكل الجاليات الأخرى من جميع الأديان فإنه اخذ بإعادة حساباته على ضوء التطورات العالمية وبروز الإسلام السياسي كقوة تتوثب كثير من تنظيماتها للقفز على السلطة في هذا البلد أو ذاك.

ولا شك أن الجالية الإسلامية ستواجه تحدي الاندماج والصراع بين القوى الاجتماعية في تلك الديار بين من يريدون لهذه الجالية أن تندمج في محيطها الجديد، والقوى المضادة التي تنظر شذراً لأي أجنبي وترى في رحيله تنقية من الدخلاء عليه.

كاتب كويتي

alyusefi@hotmail.coma